المؤمن الذي في عز المحنة وشدتها وهولها، يبقى ساكناً، مطمئناً بوعد الله - عز وجل - وبنصر الله - سبحانه وتعالى - كما كان من الرسل والأنبياء (ما ضنك باثنين الله ثالثهما) .. {قال كلا إن معي ربي سيهدين} .. {قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم} ، ما أعظم هذه الطمأنينة المنسكبة في القلب، والتي تجعل الإنسان مستقراً مطمئناً.
فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضابُ
فإذا صح منك الود فالكل هيناً وكل الذي فوق التراب ترابُ
هكذا عندما تتعلق بالله - عز وجل - تكون أشواقك وأفراحك، وكل ما يمر بك إنما ينزل هذا المنزل العظيم فما الذي يفرحك في هذه الدنيا؟ إنه الفرح بفضل الله.. بطاعة الله - سبحانه وتعالى - {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} ، عندما يفرح الناس بالعلاوات وزيادة الأموال.. عندما يفرحون بالدور والقصور، يفرح المؤمن بسجدةٍ خاشعة، في ليلة ساكنة، في وقت سحر يناجي فيها ربه، ويسكب دمعه، ويتذلل بين يدي خالقه - سبحانه وتعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون} ما هذا الشوق الذي يستولي على القلب عندما يتغلغل فيه الإيمان؟ فهذا بلال - رضي الله عنه - عندما تحين وفاته، تصيح زوجته وتقول: يا حزناه فيقول: بل وافرحتاه، غداً ألقى الأحبة محمداً وصحبه.
الشوق إلى لقاء الله - سبحانه وتعالى - دعا أنس بن النضر أن يلغي ذلك التفكير المادي المنطقي في يوم أحد، وإذا به يقول:"واهاً لريح الجنة، والله إني لأجد ريحها دون أحد"ثم ينطلق مشتاقاً راغباً محباً متولعاً عاشقاً للقاء الله - سبحانه وتعالى - راغباً في طاعة الله - سبحانه وتعالى - ويلقي بنفسه يعانق الموت قبل أن يأتيه، وإذا به يمضي شهيداً إلى الله - سبحانه وتعالى -.
وذاك عمير بن الحمام في موقعة وغزوة بدر يأكل تمرات، فحينما يسمع نداء النبي - صلى الله عليه و سلم - يقول: (لا يقاتلهم اليوم رجل مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة) فيرمي بالتمرات قائلاً: ما أطولها من حياة حتى أبلغ هذه الأمنية العظيمة.
نعمة الإيمان وأثره على الحياة:
الإيمان يحول الحياة كلها إلى جنة خضراء، كأنما الإنسان في بستان تجري من حوله الأنهار، وتزينه الأزهار، ويستمتع بضلال الأشجار، ويتناول لقطف تلك الثمار، كأنه ما مسه من ضر، ولا لقي في هذه الحياة من عناء، كما أخبر النبي - صلى الله عليه و سلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير) ، وقال في حديث آخر: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن) ففي كل الأحوال هو يرى نور الله - عز وجل - ويرى حكمة قدر الله - عز وجل - ويسلم لأمر الله - عز وجل - ويبتغي في السراء، وفي الضراء رضوان الله - عز وجل - ويلتمس أجر الله - سبحانه وتعالى - حتى الشوكة يشاكها العبد المؤمن يكفر الله - سبحانه وتعالى - به من خطاياه ما أعظم هذه المنة أيها الأخوة الأحبة!.
إنها نعمة لا تدانيها نعمة، ولا توازيها منة، عندما ينشغل الناس بجمع الأموال والثروات، وينشغل العبد المؤمن بجمع الأعمال الصالحة والحسنات، يلتمس أجراً هنا، ويلتمس حسنةً هناك كما كان أصحاب محمد - - صلى الله عليه و سلم - لا يتنافسون على غنائم الدنيا، ولا على لعاعتها، وإنما كما في حديث أبي ذر - رضي الله عنه: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. جاءت الحسرة في نفوس الصحابة على ذلك الأجر والثواب الذي لا يستطيعونه فقال لهم النبي - عليه الصلاة و السلام - مسلياً وفاتحاً أفاقاً وأبواباً من الخير عظيمة (أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به كل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة) وذكر أبواب من الخير عظيمة ثم ماذا؟ رجع القوم بعد ذلك مرة أخرى فقالوا: يا رسول الله سمع إخواننا ما قلت ففعلوا مثلما فعلنا. قال: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) .
كان القوم إنما همهم أن يجمعوا رصيداً يحضون فيه برحمة الله - سبحانه وتعالى - ويتأهلون فيه لنيل رضوان الله - عز وجل - وأن يشملهم بواسع رحمته، وأن يتغمدهم برضوانه ومغفرته - سبحانه وتعالى -.
وقد ورد في صحيح مسلم عن حال الصحابة أنه أحدهم كان لا يجد الصدقة يتصدق بها، فماذا كان يصنع وقد عذره الله - سبحانه وتعالى -؟ قال: فكان أحدنا يحتمل الحمال عنده قوة بدن فيعمل حاملاً لا ليتوسع في الرزق، ولا ليرفع من مستوى المعيشة، ولا ليزيد في الأرصدة، ولا ليؤمن المستقبل كما يقول الناس اليوم ولكن يحمل الحمالة ليجد ما يتصدق به بين يدي الله - سبحانه وتعالى -.