فهرس الكتاب

الصفحة 3268 من 9994

الإيمان الذي أخبر النبي - صلى الله عليه و سلم - أن فيه اللذة والحلاوة والمتعة والسعادة.. الذي فيه طمأنينة القلب، وسكينة النفس، فها هو - عليه الصلاة و السلام - يعبر تعبيراً صريحاً واضحا، قوي المعنى: (ذاق طعم الإيمان، من رضي بالله ربًاً، وبالإسلام دينا، وبمحمدً - صلى الله عليه و سلم - نبياً ورسولاً) ما أعظم هذا الاستقرار والسكينة والطمأنينة، عندما ترتبط بالله - عز وجل - خضوعاً لإله واحد، وغيرك من الناس يخضع لقوى الأرض، يبتغي لديها خيراً، وآخرون يخضعون لقوى البشر يخشون منها ضراً، وأنت حر طليق لا عبودية لك إلا لله - سبحانه وتعالى -، والناس أيضاً يتخبطون ويتحيرون ويلتمسون طريقاً هنا وهناك، ومنهجا من شرق وغرب، وأنت عندك منهج الإسلام، الصراط المستقيم الذي جمع الله - سبحانه وتعالى - فيه الخير كله، ونفى عنه القصور والضر كله {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} ، والناس يبحثون عن قدوات يلتمسونها هنا وهناك، وقدوتك العظمى وأسوتك المثلى رسول الله - صلى الله عليه و سلم - خير الخلق أجمعين، وخاتم الأنبياء والمرسلين {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} . ما أعظم هذه الوحدة التي توحد وجهتك وقصدك لله - سبحانه وتعالى - خضوعاً وذلة، وعلى الإسلام منهج تحاكم وشريعة حياة، ومع الرسول - صلى الله عليه و سلم - قدوة تحتذى، وأسوة تتبع. ما أعظم هذه الطمأنينة التي تنسكب في القلب! {الذين أمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} ، ما أعظمها من نعمة! وما أعظمها من لذة! لو أن الإنسان تفاعل بها انفعال صادقاً.. لو أنه تشربها تشرباً كاملاً، لو أنه عاشها وبقي معها، في مداومة مستمرة، وفي حياة متواصلة، إذاً لتحقق له أيضاً ما بينه النبي - صلى الله عليه و سلم - من المفارقة في اللذة التي إذا جناها العبد حقيقةً، وإذا اقتطفها ثانيةً؛ فإنه لا يرضى عنها بديلاً (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار) ، كل هذه المشاعر من المحبة والميل العاطفي، إنما رابطها الإيمان الذي يغذيها وينميها، ويجعلها متعةً ولذة في هذه الحياة، ولذا قال سلف الأمة عندما تذوقوا هذه الحلاوة:"والله إنا لفي لذة لو علمها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف". ذاقوا طعمها.. ذاقوا صلة بالله - سبحانه وتعالى - عظيمة، التي متى تعلق قلبك بها لن يتعلق بشيء سواه، وبدأ حينئذً كل أمرك من طموح، ومن شوق، ومن آمال، ومن غايات في هذه الحياة، يرتبط بهذا الإيمان كما بين النبي - صلى الله عليه و سلم - في هذه المنن الإيمانية، والمنح الربانية، التي يسوقها - سبحانه وتعالى - لك أنت أيها العبد المؤمن المسلم من بين هذه البشرية الحائرة الضالة المتخبطة، البعيدة عن منهج الله، الجاحدة لرب الأرباب، وملك الملوك - سبحانه وتعالى -.

تأمل قول النبي - صلى الله عليه و سلم: (إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل إني أحب فلان فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يحب فلان فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) .

فإذا أنت ترى القلوب تهفو إليك، وترى الأيدي تعانقك، وترى الشفاه تبتسم لك، وترى بريق العيون ينظر لك نظرة المحبة، ولم تسدي إليهم معروفا، ولم تقدم إليهم مساعدة، وإنما هي لغة التحاور الإيماني وإنما هي مشاعر القلوب التي ترسل بإذن الله - عز وجل - تلك الروابط، التي تسعد بها البشرية، والتي تطمئن بها أسباب الحياة بين البشر.

حتى تدرك مدى ما ينعكس من أثار الإيمان في طمأنينتك وعلاقتك بهذا الكون وعلاقتك بهذه الحياة تأمل قول النبي - عليه الصلاة و السلام - عندما قال: (من ابتغى رضى الله بسخط الناس، - رضي الله عنه - وأرضى عنه الناس، ومن ابتغى سخط الله برضى الناس، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس) ، يبقى شقياً محروماً، منكوداً مطرداً، وإن ملك الأموال كلها، وإن كان بين يديه كل شيء من ملذات الحياة، لكن في صدره ضيق، وفوق قلبه أكوام من الهموم، وفوق عينيه غم يتجسد في مراء وجهه، كأن عليه قطع من سواد مظلم، وكأن على وجوههم قتر وذلة. نسأل الله - سبحانه وتعالى - السلامة.

لذة الخلوة مع الله:

والمؤمن الذي خلى بربه كما قال الحسن البصري حينما سئل: ما بال أهل الليل على وجوههم نور؟ قال: لأنهم خلوا بربهم فألبسهم من نوره - سبحانه وتعالى -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت