فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإن شرائع الإسلام وفرائضه، لا تخلوا من حكم وأسرار أودعها الله سبحانه وتعالى فيها لمن تأملها وتدبرها وتفكر فيها، فالأذان من شعائر الإسلام التي أودعه الله أسرارًا وحكمًا بليغة لا يعرفها إلا العالمون بدينه, وسنظهر هنا بعضًا من هذه الأسرار متوكلين على الله، راجين منه أن يوفقنا إلى الصواب ويلهمنا طريق الرشاد، ويسدد خطانا نحو الهدى، ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
اعلم أيها السامع بإذن قلبك, وفقني الله وإياك لا متثال أمر ربي وربك، أن الصلاة أعظم أركان الإسلام، وأجلُّ قواعد الإيمان، وهي قربان المؤمن ونوره، وهي عمود الدين, وعمود الإيمان, والميزان الذي من أوفى به استوفى، وهي خدمة الله في الأرض, هي خير موضوع فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر، وهي قربان كل تقي, وليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة.
ولما كانت من أعظم شعائر الإيمان، كان من أعظم شعائرها الأذان؛ لأن الإنسان لا يزال يتقلب في الأطوار، وينتقل في طلب الأوطار، لاهيًا بما هو فيه من دنس دنياه، عما خلق له من طاعة مولاه، مشغولًا بما ينبغي الاشتغال عنه, فإذا دخل وقت الصلاة احتاج إلى ما يحثه عليها، ويرغبه إليها، لئلا يلهو عنها بأعماله، ويتشاغل عنها بأشغاله، فكان الأذان هو المرغب إلى أدائها، والمحرك للهمة إلى إجابة ندائها، وكان أول لفظ يقرع السمع منه.
(الله أكبر) .زجرًا عن الاشتغال بما هو دونه، إذ من شأن كل إنسان بالطبع، أن يطلب أكبر الأمرين فإذا كان كذلك فليفرغ إلى من هو أكبر. فاختيار هذا اللفظ لدلالة الاسم الشريف على جميع صفات الكمال, ونعوت الجلال واشتماله على سائر الأسماء الحسنى, والصفات العليا, لا إله إلا هو وحده لا شريك له.
و (أكبر) أفعل التفضيل الدال على عموم متعلقه, حدِّقْ فلا شيء مما يخطر بالبال أو يجوزه الوهم والخيال إلا والله أكبر منه, ولا يخفى لطف هذا وحَثّه على ترك السوى، وعلى اجتماع القلب عليه سبحانه, وتعظيمه والثناء عليه, واستحضار عظمته وكبرائه, وجلاله واستحقاقه لجميع أجزاء المحامد، وإفراد الشكر ودقائق المدح, ولهذا كان التكبير مفتاح الصلاة لقدوم العبد بين يدي جبار السموات والأرض, ليستحضر في صلاته أنه بين يدي الملك الفعال لما يريد, المذل لكل جبار عنيد.,والإله الحق الذي كل الكائنات لا شيء بالنسبة إليه: (وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون) فكما كان التكبير مفتاح الصلاة كان مفتاح الأذان؛ لأنه يفتح القلوب بذكر علام الغيوب.
ثم إنَّه لما كان التكبير أول الأذان كرر أربع مّرات تأكيدًا؛ لأن السامع في بادئ الأمر متشاغل بما هو فيه فحسن التأكيد هناك زيادة في حضه على الإقبال واطراح الأشغال, وإطفاء لنار الشيطان, وإخمادًا لجمرات المعاصي والطغيان، ولما كانت نيران الشهوات تشتعل في كل آن، وجمرات المعاصي تتسعر على كل إنسان كان في التكبير من الإطفاء لها ما لا يخفى على أهل العرفان.
(أشهد أن لا إله إلا الله) :
وإذا سمع السامع التكبير بسمعه وقلبه, واجتمع لأداء ما نودي إليه بجوارحه، ولبِّه، والتفت إلى الأكبر الأعظم, سمع قول المنادي (أشهد أن لا إله إلا الله) تذكيرًا للسامع بذلك, ليحضه على الالتفات إلى إلهه المنفرد بالألوهية، والتفرغ عن أشغاله وأعراضه, والقيام بطاعته, والفرار إليه, والوقوف بكليته بين يديه، ونفي ما سواه, وإثباته فردًا مختصًا, بالألوهية منفردًا, بالربوبية حقيقًا بالإجلال، أهلًا للعزة والكمال, معروفًا بالخير والإفضال, متعرفًا إلى خلقه بالفضل والإحسان، مسديًا دقائق الجود وجلائله إلى كل إنسان.
عن عتبان بن مالك -رضي الله عنهما- يرفعه: (لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه) (1) .
وقال-صلى الله عليه وسلم-: (من شهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة) (2) , وعن عمر-رضي الله عنه-، قال-صلى الله عليه وسلم-: (أبشروا وبشروا من ورائكم أنه من شهد أن لا إله إلا الله صادقًا بها دخل الجنة) 3. وغيرها من الأحاديث .
وأما تأكيد تكرارها, فتأكيد وحض على الإقبال عليه بالقلب, والقالب ,والتلذذ بذكره، وحلاوة المكرر يعرفها ذوو الذوق السليم، ولطف المناسبة بين التكبير والشهادة ظاهر؛ لأنه لما أخبر أن الله أكبر كان ترغيبا للعبد في ترك ما سوى الأكبر, وأمرًا له بالإقبال عليه والوقوف بالذل بين يديه, وباستشعار الخضوع وملازمة الخشوع، ثم أتى بعد ذلك بما هو أعلى ترقّيا, وهو نفي الألوهية عن سواه، وحصرها فيه ترهيبًا للعبد عن تساهله في طاعة إلهه الذي لا إله إلا هو, وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وإذا كان الأكبر لا إله غيره شهادة الحق فكيف يليق بالعبد, المضطر إليه أن يشتغل عنه.
(أشهد أن محمدا رسول الله) .
ثم إنه حسن إتباع الشهادة بأختها وهي:"أشهد أن محمدًا رسول الله"صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنها لا تقبل هذه إلا بهذه, وللإعلام بأنه-صلى الله عليه وسلم-رسول مرسل من الله عز وجل.
فالتكبير لإيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة, والشهادة لله-سبحانه وتعالى-بالإلهية لإدراك التبري من الإشراك، والشهادة لمحمد-صلى الله عليه وسلم-بالرسالة للإقرار بما جاء به المختار من الملك الجبار للبراءة من النار، قال-صلى الله عليه وسلم-وقد سمع مؤذنًا قال:"الله أكبر""الله أكبر"فقال-صلى الله عليه وسلم-: (على الفطرة) فقال:"أشهد أن لا إله إلا الله"فقال-صلى الله عليه وسلم-: (بريء هذا من الشرك) فقال:"أشهد أن محمدًا رسول الله"قال-صلى الله عليه وسلم- (خرج من النار) . (4) وفي التذكير به-صلى الله عليه وسلم-والشهادة برسالته من الحض على اتباعه, واقتفاء آثاره, في الأقوال, والأفعال, والحركات, والسكنات, والقيام بأمره, وإجابة داعية, والإصغاء إلى مناديه, وزيادة ترغيب إلى الصلاة التي جعلت قرة عينه فيها مالا يخفى, وإظهارًا لشرفه-صلى الله عليه وسلم-وإغاضة لمن لم يقبل دعوته, ولم يعد بإجابته, وإعلانًا لدينه الذي جاء به من عند الله-سبحانه-وتذكيرًا لمحبة له-صلى الله عليه وسلم-وترويحًا للمشوق إليه, ولإتباع التلذذ بذكر الله-سبحانه-بذكر حبيبه للانشراح بذكر الأحباب ولئلا يتخلى عباده عن ذكره-صلى الله عليه وسلم-وليكون ذكره مبدأ للصلاة, وختامًا فإنه كما جاء في الأذان الذي هو نداء للصلاة, ودعاء إليها الشهادة له بالرسالة, كذلك جاء في التشهد الذي هو آخر الصلاة الشهادة له-صلى الله عليه وسلم-بالرسالة بعد السلام عليه وقبل الصلاة عليه-صلى الله عليه وسلم-إشارة إلى أنه بهذه العبادة العظيمة سرا لندائه، وبهذه النعمة الجسيمة.
(حي على الصلاة) :