فهرس الكتاب

الصفحة 328 من 9994

اعلم أنه بعد تحلي القلب عما سوى الله-سبحانه-بالعلم بأنه الأكبر والشهادة له بالإلهية وحده, وأنه الواجب أن يعبد بحق, والشهادة لرسوله-صلى الله عليه وسلم-بالرسالة الذي هو الهادي إلى الصراط المستقيم، والمعلّم لِلْخَلْقِ كل خُلُقٍ لم يبق للعبد عذر عن طاعة الله-سبحانه-، وطاعة رسوله-صلى الله عليه وسلم- فحسن حينئذ النداء للصلاة (بحي على الصلاة) أي هلُمّ وأقبل إلى الصلاة, وما أحسن إتيان هذا الأمر بالإقبال والقيام إلى الصلاة، وإذا كان الأمر عن الرب الإله المفضل المنعم الرحمن الرحيم، العفو الحليم على لسان رسوله الذي هو بالمؤمنيين رؤوف رحيم،-صلى الله عليه وسلم-فكيف يليق بعاقل أن يتساهل في امتثال هذا الأمر العظيم، أو يؤثر غيره عليه، ويتمهل في القيام إليه, ويتغافل عن الوثوب لإجابة أمره، أو يتكاسل عن النهوض لأداء واجب شكره، وهل يتثبط عن إجابة سلطان هذا الداعي، أو يقعد عن امتثال هذه الأمر الذي لا يغفل عنه واعي.

(حي على الفلاح) :

وبعد الأمر بالإقبال على الصلاة وتكراره للتأكيد شرع في ترغيبه بقوله: (حي على الفلاح) أي هلُمّ وأقبل إلى ما به الفلاح، والصلاة هي سبب الفلاح، ومفتاح باب النجاح، وبها ينال العبد ما يروم، ويبلغ ما يتمناه من الحي القيوم، والفلاح هو الفوز, والنجاة, والبقاء في الخير, والصلاة هي سببه الأعظم وأصله المعظم، ولهذا جاء في الكتاب العزيز في وصف المتقين:"الذي يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذي يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ، أولئك على هدى من ربهم وألئك هم المفلحون"وقال تعالى"قد أفلح المؤمنون ، الذين هم في صلاتهم خاشعون"وسماها النبي- صلى الله عليه وسلم-فلاحًا فقال النبي-صلى الله علي وسلم-: (الجفاء كل الجفاء, والكفر, والنفاق من سمع منادي الله-تعالى-ينادي بالصلاة ويدعو إلى الفلاح فلا يجيبه) . (5)

وفي قوله: (حي على الفلاح) بعد الأمر بالصلاة من الترغيب إليها ما لا يخفى حسنه كأنه يقول هلم إلى ما به الفوز والنجاة في الدنيا والأخرى، وكثيرًا ما يأتي بعد الأمر الترغيب, وبعد النهي الترهيب بحسب ما تقتضيه المقام.

أخرج مسلم عن عمر-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله وسلم-أنه قال: (إذا قال المؤذن:"الله أكبر"فقال أحدكم:"الله أكبر", ثم قال:"أشهد أن لا إله إلا الله"قال:"أشهد أن لا إله إلا الله", ثم قال:"أشهد أن محمدًا رسول الله"قال:"أشهد أن محمدًا رسول الله", ثم قال:"حي على الصلاة"قال:"لا حول ولا قوة إلا بالله", ثم قال:"حي على الفلاح"قال:"لا حول ولا قوة إلا بالله", ثم قال:"الله أكبر""الله أكبر"قال:"الله أكبر""الله أكبر"ثم قال:"لا إله إلا الله"قال:"لا إله إلا الله"من قلبه دخل الجنة"(6) ."

فلما ندب-صلى الله عليه وسلم-إلى القول كما يقول المؤذن, وكان في القول كما يقول تأديبًا للنفس, وتنبيهًا لها من سنة الغفلة, وضربًا لها بسوط الإزعاج, وجذبًا لها بأزمة الاشتياق, وعطفًا لها عن أودية الفراق, وتشويقًا لها إلى بلوغ المرام, والتفاتًا بها إلى رفيع المقام, وتمرينًا لها على الطاعة, وارتحالًا عن طلل الإضاعة, لتذهب حلاوة الذكر مرارة النسيان, وتجري بها أنها المراقبة إلى رياض الإيمان, فتبسم زهور المحبة, وتطيب أثمار المناجاة، وتغرد طيور جنات الشهود ليسمع أرباب السماع, ويعوا ويفوز بالتمتع بفواكه (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا) (7) . فإذا سمع العبد الأذان بقلبه وآذانه, ونطق به بفؤاده ولسانه, كان أرفع إنابة وأسرع إجابة, وأجدر أن لا يتغافل عن امتثال أوامره،وسماع زواجره, ولما قال المؤذن:"حي على الصلاة""حي على الفلاح"وعلم السامع أن الأمر عظيم, والخطب جسيم، وأنه يدعوه إلى البدار إلى خطاب الملك الجبار، والقيام بين يدي ملك الأملاك، ومدير الأفلاك، الذي خلقه في أحسن تقويم، وخصه بإحسانه العميم، فخلق له السمع, والبصر, والفؤاد، ووكل به ملائكة يحفظونه في كل إصدار وإيراد

فحسن أن يقول عند أمره بالقيام لمناجاة الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يعني لا حول عن معصية الله إلا بقوة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله.

فإذا علم العبد عجزه عن القيام بأمر الله، وضعفه عن ترك مناهي الله، ونظر بعين البصيرة إلى حقارته وذله, وأنه ليس له حول ولا قوة على إجابة هذا الداعي، وأداء ما طلبه منه من حميد المساعي، واجتناب البطالة, والفرار عن أدران الجهالة.

(لا إله إلا الله)

لما كان الله-سبحانه-هو الأول والآخر، ومنه البداية وإليه النهاية، ختم هذا العقد الفريد بلفظ"لا إله إلا الله"الذي قامت به السموات والأرض, فكان ابتداء الأذان بلفظ الجلالة من"الله أكبر"، وختمه بها أيضًا من"لا إله إلا الله"وفي حسن الختام بها التفاؤل بأن يكون آخر الكلام فيفوز قائلها بحسن الختام، فقد قال-صلى الله عليه وسلم-وفيما أخرجه الإمام أحمد, وأبو داود, والحاكم, في المستدرك عن معاذ بن جبل-رضي الله عنه-: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) (8) .

فكان ختم الأذان بهما لما فيهما من الفضل العظيم, والفيض العميم, ولإفرادها مع تشفيع كلمات الأذان سر لطيف يفهمه كل ذي فهم شريف، إذ لا يخفى على الفطن العارف القايل (9) في ظل رياض المعارف أن الله-سبحانه-وتر يحبّ الوتر، كما أخبر بذلك المصطفى-صلى الله عليه وسلم-أهل الصّفا، فلما كانت كلمات الأذان شفعًا, وترت بكلمة الشهادة, كما وترت صلاة النهار بصلاة المغرب, وصلاة الليل بصلاة الوتر، قال-صلى الله عليه وسلم-: (المغرب وتر النهار, فأوتروا صلاة الليل) (10) .

فالشهادة في أول الأذان المقصود منها تنبيه ذوي الأشغال ,والتحريض في المبادرة بسلوك الامتثال، والسامع في أوّل الأذان أقرب إلى الغفلة والانشغال بالمحال، وهو في آخر الأذان بخلاف ذلك الحال إذا كان واعيًا للمقال، وأمّا من استولت كثافة الغفلة على فؤاده, وقطعت عوائق الخسران طرق رشاده, فهو بمعزل عن الجميع، وإذا نودي إلى الخير فهو غير سميع.

فائدة:

إعلم وفقني الله وإياك أن الصلوات الواجبات خمس، والسنن المؤكدة، التي كان النبي-صلى الله عليه وسلم لا يتركها حضرًا وسفرًا سنة الفجر, ووتر الليل، وفي كلمات الأذان إلى ذلك إشارة؛ لأن الظهر, والعصر, والعشاء أربعًا أربعًا، والتكبير كلمتا الشهادة على رواية التربيع والترجيع مشابهة لها في كونها أربعًا أربعًا، وصلاة الفجر وسنتها ركعتان ركعتان، وحي على الصلاة, وحي على الفلاح مثنى مثنى, ولما كانت"حي على الفلاح"تابعة في المعنى"لحي على الصلاة"وكانت سنة الفجر تابعة لصلاة الفجر حصلت المناسبة ووقعت المشابهة، ولما كان المغرب وتر صلاة النهار، والوتر المندوب إليه وتر صلاة الليل، ناسب الوترين التكبير في آخر الأذان، وكلمة الشهادة إشارة إلى تغاير الوترين وصحة الإيثار بواحدة, وفي إيجادها في كونها كلها كلمات ذكر الله-سبحانه-إشارة إلى المغرب الذي هو وتر النهار، فإنه لا يكون إلا ثلاثًا؛ لأنه لو جعل الوتر النهار مشابهًا لذهب الوتر وكانت كلماته شفع11.

اللهم نبهنا من سنة الغفلة, وأزل عن القلب ر تاجه وقفله, وافتح مسامعنا لسماع ندائك, وفقه قلوبنا لفهم دعائك. واجعل قرة أعيننا في الصلاة, وفهم معاني كلماتك، وأقبل بقلوبنا إلى ما به الصلاح والفلاح. واجعلنا ممن لهجت منهم بذكرك الألسنة, والقلوب, والأرواح، واختم أعمالنا وأقوالنا بكلمة الشهادة،آمين اللهم آمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت