أيها المسلمون: إن كثيراً من الناس يظنون أن العفو والتجاوز يقتضي الضعف والذلة،وهذا غير صحيح، فالعفو والتجاوز لا يقتضِي الذّلَّة والضعف، بل إنه قمَّة الشجاعة والامتنانِ وغلَبَة الهوى، لا سيَّما إذا كان العفوُ عند المقدِرَة على الانتصار، فقد بوَّب البخاريّ-رحمه الله في صحيحه-بابًا عن الانتصارِ من الظالم، لقوله- تعالى-: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} ،الشورى:39،، وذكَرَ عن إبراهيم النخعيّ قوله:"كانوا يكرَهون أن يُستَذَلّوا، فإذا قدروا عفَوا" (5) ، قال الحسن بنُ علي-رضي الله تعالى عنهما-: (لو أنَّ رجلاً شتَمني في أذني هذه واعتذر في أُذني الأخرَى لقبِلتُ عذرَه) (6) ، وقال جعفرُ الصادِق-رحمه الله-:"لأن أندمَ على العفوِ عشرين مرّةً أحبُّ إليَّ من أندَم على العقوبة مرة واحدة" (7) ، وقال الفضيل بنُ عياض-رحمه الله-:"إذا أتاك رجلٌ يشكو إليك رجلاً فقل: يا أخي، اعفُ عنه؛ فإنَّ العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمِل قلبي العفوَ ولكن أنتصر كما أمرَني الله- عزّ وجلّ- فقل له: إن كنتَ تحسِن أن تنتَصِر، وإلاّ فارجع إلى بابِ العفو؛ فإنّه باب واسع، فإنه من عفَا وأصلحَ فأجره على الله، وصاحِبُ العفو ينام علَى فراشه باللّيل، وصاحب الانتصار يقلِّب الأمور؛ لأنّ الفُتُوَّة هي العفوُ عن الإخوان".
ثم إنَّ بعض الناس قد بلغ من القسوةِ ما لا يمكن معها أن يعفوَ لأحد أو يتجاوَز عنه، لا ترونَ في حياته إلاّ الانتقام والتشفِّي، ليس إلا. ترونَه وترونَ أمثالَه كمثَل سماءٍ إذا تغيَّم لم يُرجَ صَحوُه، وإذا قَدر لا يُنتَظَر عفوه، يغضِبُه الجرمُ الخفيّ، ولا يرضيه العذرُ الجليّ، حتى إنّه ليرَى الذنبَ وهو أضيقُ من ظلِّ الرمح، ويعمَى عن العذرِ وهو أبيَنُ من وضَح النهار. ترونَه ذا أُذنين يسمَع بإحداهما القولَ فيشتطّ ويضطرب، ويحجبُ عن الأخرَى العذرَ ولو كان له حجّةٌ وبرهان. ومَن هذه حالُه فهو عدوُّ عقلِه، وقد استولى عليه سلطان الهوَى فصرفَه عن الحسنِ بالعفوِ إلى القبيح بالتَّشفِّي، تقول عائشة-رضي الله تعالى عنها-: ما ضرب رسول الله شيئًا قطّ بيده، ولا امرأة ولا خادمًا، إلا أن يجاهِدَ في سبيل الله، وما نيل منه شيء قطّ فينتَقِم من صاحبه إلاّ أن يُنتَهَك شيء من محارِم الله فينتَقِم لله عز وجل" (8) ."
عباد الله: إنَّ الانتصارَ للنفس من الظلمِ لحقّ، ولكنَّ العفوَ هو الكمالُ والتّقوى،قال الله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} ،الشورى:40، (9) .س
أيها المسلمون: تعالوا بنا إلى المصطفى- صلى الله عليه وسلم- أسوتنا الحسنة، وقدوتنا الصالحة، ومثلنا الأعلى، الذي بعثه الله معلماً للبشرية ، ورحمة للإنسانية.
تعالوا بنا لنرى نبينا الأكرم، ومعلمنا الأعظم، وهو يدخل مكة فاتحاً، وهي التي ائتمرت على قتله، و أخرجته، و عذبت أصحابه، ونكَّلت بهم ، وقاطعته، و كذبته، وقاتلته في بدر، وأحد، والخندق، وألَّبت عليه العرب جميعاً.
لقد ألقى أهلها كل سلاح، ومدوا إليه أعناقهم ، ليحكم فيها بما يرى، فأمره نافذ في رقابهم، وحياتهم جميعاً معلقة بين شفتيه وهذه عشرة آلاف سيف تتوهج يوم الفتح ، فوق ربى مكة ، تأتمر بأمره وتنتظر إشارة منه ، إنها تستطيع أن تبيد مكة وأهلها في لمح البصر .
لقد دخلها يوم الفتح الأعظم ، دخول المتأدبين الشاكرين ، معترفاً بعظم الفضل ، ولم يدخلها دخول المتكبرين المتجبرين ، ثملاً بنشوة النصر .
لقد سار النبي- صلى الله عليه وسلم- في موكب النصر يوم فتح مكة حانياً رأسه، حتى تعذر على الناس رؤية وجهه ، وحتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره، مردداً ، بينه وبين نفسه، ابتهالات الشكر المبللة بالدموع .
سأل أعداءه بعد أن استقر به المقام: يا معشر قريش ، ويا أهل مكة فاشرأبت إليه الأعناق ، وزاغت عند سؤاله الأبصار ، سألهم: ما تظنون أني فاعل بكم ..؟
وصاحت الجموع الوجلة بكلمة واحدة ، كأنما كانوا على اتفاق بترديدها ، قالوا: خيراً .. أخ كريم وابن أخ كريم .. فقال:"اذهبوا فانتم الطلقاء"، عفا عنهم، وصفح عن أعمالهم، مع أنه كان قادراً على الانتقام لكنه خلق عظيم، منه-صلى الله عليه وسلم-.