وعن عائشة - رضي الله عنها- أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد فقال: ( لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم قال فناداني ملك الجبال وسلم علي ثم قال يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا) (10) .
وعن أنس-رضي الله عنه-قال: كنت أمشي مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم-وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه جبذةً شديدة فنظرت إلى صفحة عنقه اليمنى، وقد أثرت بها حاشية البردة من شدة جبذته، فقال: يا محمد! أعطني من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه النبي-صلى الله عليه وسلم- فضحك ثم أمر له بعطاء.
وجاء في حديث ابن مسعود-رضي الله عنه- كأني أنظر إلى رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يحكي نبياً من الأنبياء- صلوات الله وسلامه- عليهم ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) (11) .
وكذلك كان العفو من هدي الرسل الكرام. فهذا نبي الله يوسف الكريم بن الكريم بن الكريم، حسده إخوته وألقوه في الجب، ونال منهم ألواناً من الأذى. ثم هو يقول لهم:"لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين".
وعن جابر بن عبد الله-رضي الله عنهما-أنه غزا مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قبل نجد، فلما قفل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قفل معه، فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه فنزل رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، وتفرق الناس يستظلون بالشجر فنزل رسول الله-صلى الله عليه وسلم- تحت شجرة وعلق بها سيفه ونمنا نومة، فإذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال:"إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتاً"، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله ثلاثا) ولم يعاقبه وجلس) (12) .
ومن عفوه-صلى الله عليه وسلم-أنه عفا عن اليهودية التي جاءت بالشاة المسمومة، وذلك في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما ورواية البخاري عن أنس بن مالك-رضي الله عنه- (أن يهودية أتت النبي-صلى الله عليه وسلم-بشاة مسمومة فأكل منها فجيء بها فقيل لها ألا نقتلها قال لا) 13.
وفي رواية مسلم أن امرأة أتت النبي-صلى الله عليه وسلم-بشاة مسمومة فأكل منها فجيء بها إلى رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فسألها عن ذلك فقالت:"أردت لأقتلك قال: (ما كان الله ليسلطك علي) قالوا: ألا نقتلها قال: (لا) .14"
وورد أن الرسول-صلى الله عليه وسلم- قتل هذه المرأة لكن لم يكن لأجل شخصه ولكن لأنها تسببت في مقتل رجل آخر.
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأستغفر الله العظيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله هادي الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربه. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد:
أيها المؤمنون: إن صحابة رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قد ضربوا لنا أروع الأمثلة في عفوهم وصفحهم عن الناس، فقد تخلقوا بأخلاق نبيهم في العفو والصفح، فقد روى البخاري عن بن عباس، عن عيينة بن حصن، أنه قال لعمر بن الخطاب-رضي الله عنه-: يا ابن الخطاب، ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب عمر، حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين ، إن الله قال لنبيه."خذ العفو وأعرض عن الجاهلين"، وإن هذا من الجاهلين، فقال ابن عباس: فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافاً عند كتاب الله-عز وجل-.
أيها المسلمون:وهذا أبو بكر الصديق-رضي الله عنه- خير الناس بعد الأنبياء، كان من قرابته مسطح بن أثاثة، وكان أبو بكر ينفق عليه، ويحسن إليه فلما خاض مسطح فيمن خاض في حادثة الإفك، حلف أبو بكر ألا يحسن إليه كما كان يحسن في السابق، فعاتبه ربه- عز وجل- وأنزل: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ...} (النور:22) . فقال: بلى، أحب أن يغفر الله لي، وعاد إلى ما كان عليه من الإحسان إليه وكفّر عن يمينه.