القصاص لغة: قال ابن فارس:"القاف والصاد أصل صحيح يدل على تتبع الشيء، من ذلك قولهم: اقتصصت الأثر إذا تتبعته، ومن ذلك اشتقاق القصاص في الجراح، وذلك أنه يفعل به مثل فعله بالأول، فكأنه اقتص أثره".
القصاص شرعا: قال الجرجاني:"القصاص هو أن يُفعل بالفاعل مثل ما فعل".
4-الفرق بين الحدِّ والتعزير والقصاص:
أولاً: الفرق بين الحد والقصاص وبين التعزير:
تختلف عقوبة الحد والقصاص عن العقوبة التعزيرية من عدة أوجه أهمها:
1-أن العقوبة الحدية والقصاص عقوبة مقدَّرة من قبل الشارع لا مجال للاجتهاد فيها، وليس لأي إنسان مهما كانت صفته أن يزيد عليها أو ينقص منها، وأما العقوبة التعزيرية فهي راجعة إلى اجتهاد الحاكم، فهو الذي يختار نوعَها ويحدِّد قدرَها مراعياً في ذلك ظروفَ الجريمة وحالةَ المجرم الاجتماعية والنفسية.
2-العقوبة التعزيرية يجوز إيقاعها على الصبي وعلى المجنون الذي لديه بعض الإدراك لأنه عقوبة تأديبية، وتأديب هؤلاء جائز إذا ثبت اقترافهم لما يستوجب التعزير، أما العقوبة الحدية والقصاص فإنها لا توقع على أي من هؤلاء، لأن التكليف من أهم الشروط التي نصَّ الفقهاء على وجوب توفرها فيمن يقام عليه الحد.
3-أن التعزير يختلف باختلاف الناس، فتعزير ذوي الهيئات أخفُّ من غيرهم، وهذا بخلاف الحدود والقصاص فالناس فيها سواء.
4-أن التعزير إذا كان في حق من حقوق الله تعالى تجب إقامته كقاعدة، لكن يجوز فيه العفو عن العقوبة والشفاعة إن رُئي في ذلك مصلحة أو كان الجاني قد انزجر بدونه، وإذا كان التعزير يجب حقاً للأفراد فإن لصاحب الحق أن يعفو وإن لم ير في ذلك مصلحة. أما جرائم الحدود فليس لأحد مطلقاً إسقاط عقوبتها أو الشفاعة فيها بعد بلوغها، إلا إذا كان الحد قذفاً، فإن للمجني عليه أن يعفو عن القاذف عند غير الحنفية.
5-الحدود تدرأ بالشبهات، فلا يجوز الحكم بثبوتها عند قيام الشبهة، سواء كانت حقاً خالصاً لله كحد الزنا والسرقة والشرب، أو مشتركة بين الخالق والمخلوق كحد القذف، وهذا بخلاف التعزير فإنه يحكم بثبوت موجبه مع قيام الشبهات.
6-أن التعزير يسقط بالتوبة بلا خلاف، والحدود لا تسقط بالتوبة على الصحيح إلا الحرابة فإنه يسقط بالتوبة قبل القدرة عليهم لقوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} [المائدة:34] .
7-التعزير يختلف باختلاف الأعصار والأمصار، فرُبَّ تعزير في بلد يكون إكراماً في آخر.
ثانياً: الفرق بين الحد وبين القصاص:
يختلف الحد عن القصاص من عدة أوجه أهمها:
1-في القصاص يشرع العفو عنه والشفاعة فيه، سواء كان في النفس أو فيما دونها، وهذا بخلاف الحدود فلا يقبل فيها العفو ولا تصحُّ فيها الشفاعة بعد بلوغها الحاكم إلا في حد القذف عند غير الحنفية.
2-أن القصاص حق من الحقوق التي تنتقل إلى ورثة المستحقّ بعد موته، فلهم أن يطالبوا بالقصاص المستحَقّ لموَرِّثهم ما لم يكن قد عفا عن ذلك قبل وفاته، وهذا بخلاف الحدود فلا مدخل للإرث فيها إلا إذا كان الحد قذفاً وكان المقذوف قد طالب به أثناء حياته.
3-أن استيفاء الحد خاصّ بالإمام أو من ينوب منابه، وليس لأحد من الناس أن يقيم الحد على من استوجبه ما لم يكن الإمام قد فوَّض إليه ذلك، وهذا بخلاف القصاص فإن للمجني عليه أو وليِّه الحق في استيفائه إذا كان يحسن الاستيفاء على الوجه الشرعي.
4-أنه يجوز الاعتياض عن القصاص بالمال، بخلاف الحدود فإنها لا تقبل المعاوضة.
5-أن التحكيم جائز في القصاص، بخلاف الحدود فلا مدخل للتحكيم فيها.
5-هل الحدود زواجر أم جوابر؟
اختلف العلماء في الحدود: هل هي جوابر وكفارات لمن أقيمت عليه أم هي مجرد زواجر عن ارتكاب الحدود وليست كفارات؟
القول الأول: أن الحدود جوابر وكفارات، وهذا قول أكثر أهل العلم.
قال القاضي عياض:"أكثر العلماء ذهبوا إلى أن الحدود كفارة".
وبذلك ترجم البخاري في الصحيح فقال:"باب الحدود كفارة".
دليل هذا القول: استدلوا بحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وكان شهد بدرا وهو أحد النقباء ليلةَ العقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: (( بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه ) )فبايعناه على ذلك، في رواية: (( ومن أتى منكم حداً فأقيم عليه فهو كفارته ) ).
قال ابن رجب الحنبلي:"وهذا صريح في أن إقامة الحدود كفارات لأهلها".
القول الثاني: وذهب بعض العلماء إلى أن الحدود ليست جوابر وكفارات بل هي للزجر عن الوقوع فيما أوجب الحد، وهو قول بعض التابعين ورجحه ابن حزم وطائفة من متأخري المفسرين كالبغوي.