فهرس الكتاب

الصفحة 3315 من 9994

دليل هذا القول: استدل أصحاب هذا القول بقوله تعالى في آخر آية الحرابة: {ذالِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة:33] .

فأخبر سبحانه أن جزاءَ فعلهم عقوبةٌ دنيوية وعقوبة أخروية إلا من تاب فإنها تسقط عنه العقوبة الأخروية.

وتوقَّف بعض العلماء في المسألة فقالوا: لا يقال في الحدود: إنها كفارات، ولا يقال: إنها غير كفارات.

واستدلوا: بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا ) ).

القول الراجح: والراجح في المسألة هو القول الأول الذي قال به الجمهور، وذلك لما يلي:

1-أن حديث عبادة أصحُّ إسناداً بل هو متفق عليه.

2-أن فيه التصريح في المسألة وقد ترجم عليه البخاري بذلك.

3-أن الآية التي احتجَّ بها أهل القول الثاني مختلف في المراد منها: هل هي في الكفار أو في محاربي الإسلام؟.

4-أنه على فرض التعارض فيجاب بأن ذكر عقوبة الدنيا والآخرة لا يلزم اجتماعهما، فقد دلَّ الدليل على أن عقوبة الدنيا تُسقط عقوبة الآخرة.

5-قال ابن بطال:"إن الوعيد في آية المحاربة عند جميع المؤمنين مرتَّب على قول الله: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} ، فتأويل آية المحاربين {ذالِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} إن شاء الله تعالى بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} ".

6-أن حديث أبي هريرة لا يعارض حديث عبادة لاحتمال أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يعلمه ثم علمه فأخبر به جزماً، وبهذا جمع القاضي عياض وتبعه ابن رجب الحنبلي وابن حجر العسقلاني.

استشكال:

أورد بعض العلماء إشكالا على من قال في الجمع بين حديثي أبي هريرة وعبادة بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم أن الحدود كفارة لأهلها وعليه يحمل حديث أبي هريرة، ثم أعلم بذلك فأخبر به وعليه يحمل حديث عبادة، ووجه الاستشكال أن أبا هريرة متأخِّر الإسلام عن عبادة وفي حديث عبادة ذكر أن تلك المبايعة كانت في بيعة العقبة وهي قبل الهجرة، فكيف ينسخ المتقدم المتأخر؟!.

الجواب على هذا الاستشكال:

أجاب الحافظان ابن رجب الحنبلي وابن حجر العسقلاني بأن حديث عبادة لم يكن ليلةَ العقبة بلا تردّد، ومما يدلُّ على ذلك أن الآية المذكورة في حديث عبادة وهي قوله تعالى: {ياأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ...} [الممتحنة:12] ، كان نزولها في فتح مكة، وذلك بعد إسلام أبي هريرة بنحو سنتين.

قال الحافظ ابن حجر:"وإنما وقع الإشكال من قوله هناك: أن عبادة بن الصامت وكان أحد النقباء ليلة العقبة قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( بايعوني على أن لا تشركوا ) )فإنه يوهم أن ذلك كان ليلة العقبة، وليس كذلك، بل البيعة التي وقعت في ليلة العقبة كانت على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وهو حديث عبادة أيضاً".

وقال الحافظ أيضاً:"وإنما حصل الالتباس من جهة أن عبادة بن الصامت حضر البيعتين معاً، وكانت بيعة العقبة من أجلّ ما يتمدَّح به، فكان يذكرها إذا حدَّث تنويهاً بسابقيته، فلما ذكر هذه البيعة التي صدرت على مثل بيعة النساء عقِب ذلك توهَّم من لم يقف على حقيقة الحال أن البيعةَ الأولى وقعت على ذلك".

وكذلك رجح الحافظ في هذا الجواب بأن نفس البيعة التي كانت على نحو بيعة النساء وقعت لغير عبادة من الصحابة الذين تأخر إسلامهم كعبد الله بن عمرو بن العاص وجرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنهم.

6-الضرورات الخمس التي حفظها الشرع:

وضع الله تعالى الشرائع لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً.

قال الشاطبي:"والمعتمد إنما هو أنَّا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراءً لا يُنازع فيه، فإن الله تعالى يقول في بعثة الرسل وهو الأصل: {رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء:165] ، وقال في أصل الخلقة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] ، {الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك:2] ، وأما التعاليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة فأكثر من أن تحصى".

ومن تلك المصالح الحفاظ على المقاصد الثلاثة:

قال الشاطبي:"تكاليف الشرع ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام:"

أحدها: أن تكون ضرورية.

والثاني: أن تكون حاجية.

والثالث: أن تكون تحسينية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت