فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 9994

جَوَامعُ الخَيْرِ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

نصُّ الحديثِ:

عن أبي هُرَيْرَة-رضي الله عنه-عن النَّبِّي-صلى الله عليه وسلم-,قال:"مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْيَةً من كُرَبِ يْومِ القيامَةِ، ومَنْ يَسَّرَ على مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ في الدنْيا والآخِرَةِ، واللهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كانَ الْعَبْدُ في عَونِ أخيهِ. ومَنْ سلكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ له بِهِ طَرِيقًا إلى الجنَّةِ. وَمَا اجتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ ويَتَدارَ سُونَهُ بَيْنَهُمْ، إلَّا نَزَلَتْ عليهمُ السَّكيِنَةُ، وغَشَيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وحَفَّتهُمُ المَلائِكَةُ، وذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَه. وَمَنْ بَطَّأ بِه عَمَلُهُ لمْ يُسْرِعْ به نَسَبُهُ"1.

مفردات الحديث:

"نَفَّسَ": أي خفف أو أزال ما في نفسه من أثرها. ونفس من التنفيس وهو أن يخفف عنه منها، مأخوذ من تنفيس الخناق وهو إرخاؤه حتى يأخذ نفسًا. وفرج من التفريج، وهو أبلغ من التنفس وهو أن يزيل عنه أثر الكربة بحيث يزول همه وغمه.

"كربة": أي الشدة العظيمة.

"يسر على معسر": المعسر من أثقلته الديون وعجز عن وفائها،والتيسير عليه مساعدته على إبراء ذمته من تلك الديون.

"يسر الله عليه": أموره وشؤونه.

"ستر مسلمًا"بأن رآه على فعل قبيح شرعًا فلم يظهر أمره للناس.

"عون العبد": إعانته وتسديده لقضاء شؤونه النافعة.

"ما كان العبد"أي: مدة دوام كونه كذلك.

"ذكرهم الله فيمن عنده"أي باهى بهم ملائكة السماء وأثنى عليهم، وقبل عملهم ورفع شأنهم.

"بطأ به عمله": كان عمله الصالح ناقصًا وقليلًا فقصر عن رتبة الكمال.

"لم يسرع به نسبه": لا يعلي من شأنه شرف النسب، ولا تبلغه وجاهة الآباء ما فاته وقصر عنه من المنازل العالية، التي يبلغها أصحاب الأعمال الكاملة عند الله- عز وجل-.

أهمية الحديث:

قال النووي -رحمه الله تعالى- في شرح مسلم: وهو حديث عظيم، جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب2. زاد ابن علان:"والفضائل والفوائد والأحكام".

فرغب بأداء حقوق أخوة الإسلام، وبطلب العلم، وبالاهتمام بدستور السماء، من حيث قراءته وفهمه، والعمل به، وتبليغه للناس. 3

المعنى العام للحديث:

إن أفراد مجتمع الإيمان والإسلام أعضاء من جسد واحد، يتحسس كل منهم مشاعر الآخرين وتنبعث فيه أحاسيسهم، فيشاركهم أفراحهم وأحزانهم: يُسر لما يحظون به من فرح وسرور وبهجة، وما يتمتعون به من أنس وصحة وسعادة. ويتألم لما ينالهم من أذى، وما يُصيبهم من مرض، وما يقع بهم من فاقة وفقر وضيق عيش وكرب، وصدق رسول الله-صلى الله عليه وسلم-إذ يقول:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى4."اشتكى": مرض."تداعى": دعا بعضه بعضًا إلى المشاركة فيما حصل. سائر: باقي. الحمَّى: الألم وما يُصاحبه من ارتفاع حرارة الجسم ونحو ذلك. ومن أهمِّ ما يجب على المسلم تجاه أخيه المسلم أنْ يسارع في تفريج كربه وإزالة ما يقع فيه من هم أو غم."

شرح الحديث:

قوله -صلى الله عليه وسلم-:"من نفس عمن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه، كربة من كرب يوم القيامة"، أي: أزالها وخففها عنه، مأخوذ من تنفيس خناق الثوب وإرخاؤه، حتى يأخذ نفسًا، والتفريج أعظم من ذلك وهو أن يزيل كربه، فتفرج عنه كربته، ويزول همه وغمه.

والكربة: هي الشِّدَّةُ العظيمة التي تُوقعُ صاحبَها في الكرَب، وتنفيسُها أن يُخفَّفَ عنه منها. والتفريج أعظمُ من ذلك، وهو أن يُزيلَ عنه الكُربةَ، فتنفرج عنه كربتُه، ويزوله همُّه وغمُّه، فجزاءُ التَّنفيسِ التَّنفيسُ، وجزاءُ التَّفريجِ التفريجُ.

كرب الدنيا عديدة وطرق تنفيسها متنوعة: إن الحياة ملأ بالمتاعب والأكدار، وكثيرًا ما يتعرض المسلم لما يوقعه في غم وهم وضيق وضنك، مما ينبغي على المسلمين أن يخلصوه منه، ومن ذلك:

1-نصرته وتخليصه من الظلم: فمن شأن المسلم أن لا يوقع ظلمًا في أخيه المسلم، ولكن هذا لا يكفيه لنيل رضا الله-عز وجل- إذا لم يسعى جاهدًا في تخليصه أيضًا مما يقع فيه من ظلم غيره، قال عليه الصلاة والسلام:"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه"5، أي: لا يتركه للظلم ولا يترك نصرته، كما قال- صلى الله عليه وسلم-:"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا، كيف أنصره؟ قال: تحجزه، أو تمنعه، من الظلم فإن ذلك نصره"6."

2-تحليصه من الأسر: إذا وقع المسلم أسيرًا في قبضة العدو؛ كان على المسلمين أن يسارعوا في تخليصه من الأيدي الآثمة، التي قد تسعى في فتنته عن دينه. فعن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:"أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني"7.

3-إقراضه المال إن احتاج إلى المال: قد يقع المسلم في ضائقة مالية، فيحتاج إلى النفقة في حوائجه الأصلية من طعام وشراب ومسكن وعلاج ونحو ذلك، فينبغي على المسلمين أن يسارعوا لمعونته، وعلى الأقل أن يقرضوه المال قرضًا حسنًا، بدل أن يتخذوا عوزه وسيلة لتثمير أموالهم ، وزيادتها، كما هو الحال في مجتمعات الربا والاستغلال. قال الله- تعالى-: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} سورة البقرة:245.

3-وقال-صلى الله عليه وسلم-:"من أقرض مسلمًا درهمًا مرتين,كان له مثل أجر أحدهما لو تصدَّقَ به"8

كرب يوم القيامة والخلاص منها:

ما أكثر كربات يوم القيامة، وما أشد أهوالها وأفظع مخاوفها، وما أحوج المسلم لأن يجد لنفسه عملًا صالحًا في ذلك اليوم يخلصه من شيء منها، ويكشف له متنفسًا للنجاة، وينير طريق الفوز بالجنة أمامه، قال-عليه الصلاة والسلام-:"يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد،فيُسمعهم الداعي،وينفذهم البصر،وتدنو الشمس منهم،فيبلغ الناس من الكرب والغم مالا يطيقون ولا يحتملون،فيقول الناس بعضهم لبعض: ألا ترون ما بلغكم،ألا تنظرون من يشفع لكم عند ربكم"9.

التيسير على المعسر:

قوله- صلى الله عليه وسلم-:"ومن يسَّر على مُعسِرٍ، يسَّرَ الله عليه في الدُّنيا والآخرة"يدل هذا على أن الإعسار قد يحصُل في الآخرة، وقد وصف الله يومَ القيامة بأنه يومٌ عسير وأنَّه على الكافرين غيرُ يسير، فدلَّ على أنَّه يسير على غيرهم قال الله- تعالى-: {وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} سورة الفرقان: من الآية26.

والتيسير على المعسر في الدنيا من جهة المال يكون بأحد أمرين:

1-إمّا بإنظاره إلى الميسرة: أي ينظر الدائنُ مدينه إلى وقت يملك به ما يفي دينه ويصبح ذا يسار، وذلك واجب، قال الله- تعالى-: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} سورة البقرة:280.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت