فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
2-أنْ يُبرئ الدائنُ مدينَهُ من الدَّينِ، أو يضع جزءًا منه، أو يعطيه غير الدائن ما يزول به إعساره، من تراكم دين أو نفقة. فهذا التيسير مندوب إليه، فقد جاء عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"من أنظر معسرًا، أو وضع عنه أظلَّه الله"10.وقال-صلى الله عليه وسلم-:"من سرَّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسرٍ أو يضع عنه11."
ستر المسلم:
قوله-صلى الله عليه وسلم-:"ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة"لقد كثرت النصوص التي تحث على ستر المسلم، وتحذر من تتبع عوراته وزلاته ليفضح بين الناس، فعن ابن عباس- رضي الله عنه- عن النبي-صلى الله عليه وسلم-:"من ستر عورةَ أخيه المسلم، ستر الله عورته يومَ القيامة، ومن كشفَ عورة أخيه المسلم، كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته"12.
وقد روي عن بعض السلف أنه قال: أدركت قومًا لم يكن لهم عيوب، فذكروا عيوب الناس فذكر الناس عيوبًا، وأدركت قومًا كانت لهم عيوب، فكفُّوا عن عيوب الناس فنُسيت عيوبهم. وشاهد هذا حديث أبي بَرْزَةَ،عن النبي-صلى الله عليه وسلم-أنه قال:"يا معشرَ من آمن بلسانه،ولم يدخُلِ الإيمانُ في قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعُوا عوراتهم، فإنَّه من اتَّبع عوراتهم،تتَّبع الله عورته، ومن تتَّبع الله عورته، يفضحه في بيته"13.
بل إن تتبع عورات المسلمين علامة من علامات النفاق،ودليل على أن الإيمان لم يستقر في قلب ذلك الإنسان الذي همه أن ينقب عن مساوئ الناس ليعلنها بين الملأ. كما تقدم في الحديث. لأن الأصل في المسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فإذا رأى عيبًا أو تقصيرًا في أخيه المسلم، أن يدعو له بالاستقامة والصلاح، وأن ينصحه في السر، فهذا أحرى لقبول النصيحة,كما قال الشَّافعيُّ:
تعمدني بنُصحك في انفرادي وجنبي النصيحةَ في الجماعة
فإنَّ النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه14
لا أن يفرح ويسعد بزلة أخيه وسقطاته، ويجعل منها حديثًا يتلذذ به في المجالس، فيفضح أخاه بذلك، ويخالف أمر ربه ورسوله.
فالمسلم إذا اطلع على زلة أخيه المسلم، فهل يسترها عليه أم يعلنها؟ فإن هذا يختلف باختلاف أعمال الناس، والناس في هذا على ضربين:
1-من كان مستورًا لا يُعرف بشيءٍ من المعاصي: فإذا وقعت منه هفوة، أو زلة، فإنه لا يجوز كشفها، ولا هتكها، ولا التحدُّث بها؛ لأنَّ ذلك غيبة محرَّمةٌ، وإشاعة للفاحشة، والله-تعالى- يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} سورة النور:19. قال العلماء: المراد: إشاعة الفاحشة على المؤمن فيما فرط منه، أو اتهم بهم مما هو بريء منه. وقال بعضهم: اجتهد أن تستر العصاة، فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام، وأولى الأمور ستر العيوب. والمراد بالعصاة هنا العصاة المستورن الذين لم يعلنوا بمعاصيهم، وعلى هذا تحتمل النصوص الواردة في الحث على ستر المسلم.
2-من كان مشتهرًا بالمعصية، مستعلنًا بها بين الناس: إن من لا يبالي بما يرتكب، ولا يكترث لما يقال عنه، فهذا فاجر مجاهر بفسقه، فلا غيبة له، بل يندب كشف حاله للناس، وربما يجب، حتى يتوقوه ويحذروا شره، وإن اشتد فسقه، ولم يرتدع من الناس، وجب رفع حاله إلى ولي الأمر حتى يؤدبه بما يترتب على فسقه من عقوبة شرعية؛ لأن الستر عليه يجعله وأمثاله يطمعون في مزيد من المخالفة، فيعيثون في الأرض فسادًا، ويجرون على الأمة الشر المستطير، بل مثل هذا يبحث عنه ويتتبع، لتستأصل جذور الفتنة من مجتمع المسلمين، بقوله-صلى الله عليه وسلم:"واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها"15 وذلك حين احتكم إليه رجلان، قد زنى ولد أحدهما بامرأة الثاني.
التعاون بين المسلمين في كل وجوه الخير:
قوله-صلى الله عليه وسلم-:"والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"إن المجتمع لن يكون سويًا قويًا، ولن يكون قويًا متماسكًا إلا إذا قام على أساس من التعاون والتضامن والتكافل فيما بين أفراده، فسعى كل منهم في حاجة غيره، بنفسه وماله وجاهه، حتى يشعر الجميع أنهم كالجسد الواحد، وهذا ما دعا إليه الإسلام وأمر به القرآن، وجعلته السنة المطهرة عنوانًا لمجتمع الإيمان، قال- تعالى-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} سورة المائدة: من الآية: 2. وقال-صلى الله عليه وسلم-:"إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا"16. ولما كان التعاون له أثر في بناء المجتمعات، وحياة الأمم والأفراد كان من أفضل الأعمال عند الله-عز وجل-، وكان عبادة لها من الأجر والثواب مثل ما للصلاة والصيام والصدقة ونحو ذلك أو يزيد،قال-عليه الصلاة والسلام-:"وتعين الرجل في دابته:فتحمله عليها،أو ترفع له عليها متاعة صدقة"17. وعن أنس-رضي الله عنه-،قال:"كنا مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم-في سفر،فصام بعض وأفطر بعض، فتحزم المفطرون وعملوا"وفي رواية:"فضربوا الأبنية وسقوا الركاب-وضعف الصوام عن بعض العمل، فقال في ذلك:"ذهب المفطرون اليوم بالأجر"18، أي جاوزه واستصحبوه ومضوا به، ولم يتركوا لغيرهم شيئًا منه، وهذا على المبالغة، والمراد: أن لهم من الأجر مثل ما للصوام أو أكثر؛ لأنهم بعملهم أعانوا الصوام على صومهم."
لاشك أن أعظم ثمرة يجنيها المسلم من إعانته لأخيه هي ذاك العون والمدد من الله- تبارك وتعالى-:"والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه"وكيف لا, ولا حول للإنسان ولا قوة إلا بالله عزوجل، وهو-سبحانه-المتصرف في هذا الكون،وهو المعطي والمانع، بيده قلوب العباد يقلبها كيف يشاء، فيلهم الناس ليسارعوا إلى معونة من يبذل العون لغيره، ويسعوا في خدمته، وقضاء حوائجه، والاهتمام بشؤونه، والفضل منه وإليه سبحانه، ولكن سخر الناس بعضهم لبعض.
طريق الجنة:
قوله-صلى الله عليه وسلم-:"ومن سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة"قد يكون المراد السلوك الحقيقي للطريق، وهو المشي بما هيأ الله لنا من وسائل إلى مجالس العلماء، وقد يكون سلوك الطريق المعنوي المؤدي لحصول العلم، مثل حفظه ومدارسته ومذاكرته ومطالعته وكتابته والتفهم له ونحو ذلك من الطرق، أما قوله-صلى الله عليه وسلم-:"سهل الله به طريقًا إلى الجنة"قد يراد به تسهيل حصوله على العلم الذي هو طريق الجنة، أو يسهل له-إذا ابتغى به وجه الله-الانتفاع به والعمل بمقتضاه فيكون العلم سببًا لهدايته ولدخوله الجنة، أو يسهل الله له طريق الجنة يوم القيامة، من اجتياز الصراط، وما بعده من الأهوال، وما قبله، والله أعلم.
فالعلم النافع هو طريق معرفة الله-عزوجل- والوصول إلى رضوانه والفوز بقربه، قال- تعالى-: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} سورة فاطر: من الآية28.
ذكر الله -عز وجل-:
قوله-صلى الله عليه وسلم-:"وما جلس قومٌ في بيت من بيوتِ الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهمُ السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده"
إن ذكر الله- عز وجل- من أعظم العبادات، قال-تعالى-: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} سورة العنكبوت:45.