وإن التشدد والتشديد على النفس فيما ليس بمشروع ، يفوّت كثيراً من الحقوق ، ويحصل به اختلال عن التوازن ، ولعلنا نضيف إلى ذلك أموراً تبين هذا في أصل سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما بيّنه العلماء في ضوء هذه السنة الشريفة ، فقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر أن ( أفضل الصيام صيام داوود - عليه السلام - كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ) وفي رواية عند البخاري في نصها ( يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى ) ، أي لا يفر إذا لاقى العدو ، قال الطبري في شرح الحديث:"إنما كان صوم داوود من أفضل الصيام من أجل أنه مع صومه لا يضعف من القيام بالأعمال التي هي أفضل من الصوم ، وذلك لثبوته للحرب أمام أعداء الله عند التقاء الزحوف وتركه الفرار هنالك والهرب وكان من أضعفه صوم النفل عن أداء شيء من فرائض الله عز وجل فغير جائز أن يصوم صومه ذلك بل هو محظور عليه".
إذا كان يصوم تطوعاً ، ويضيع بسبب ذلك الصوم أو ضعفه بسببه فرضاً ، أو واجباً بل قد قال:"إذا ضيع بذلك الصوم المستحب والنفل ما هو أفضل منه من نفل الأعمال فإن صومه ذلك مكروه غير محبوب وإن كنا لا نؤثمه"، كما قال رحمه الله .
وهذا يدلنا على أمر مهم وهو النسبية ؛ فإن ما يطقه إنسان لا يطيقه غيره ، وإن ما يطيقه إنسان في بعض أنواع العبادات قد لا يطيقها في غيره ، قد يطيق الصوم لكنه لا يطيق طول القيام ، وقد يطيق طول القيام ولا يطيق أمر الصيام ، فينبغي للإنسان أن ينظر ما لا تتأذى به نفسه من المشروع فيأخذ به ، وأما ما يفضي إلى سآمته وانقطاعه أو تفريطه في حقوق أخرى فينبغي له أن يوازن بأن لا يمتنع عن ذلك أن لا يقدم على ذلك مع علمه أو يقينه بأنه يفرط في غيره .
وهذا أيضاً مما نفقهه وفقهه العلماء من صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث عائشة رضي الله عنها كانت تخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يصوم حتى نقول لا يفطر ، ويفطر حتى نقول لا يصوم ، قال الشاطبي في تعليقه على هذا الحديث:"فانظر إلى ما كان من مراعاة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الأحوال والظروف والأوقات ، فربما في وقت ينشط لهذا وربما في غيره ينشط لغيره ، ولكن المهم المهم هو ألا يتجاوز الحد المشروع بالتشديد على النفس بما يؤدي إلى انقطاعها أو سآمتها ومللها ، وبما يؤدي إلى ترك المداومة على الأعمال"، وتلك الصورة صورة ظاهرة ، وثمة صور أخرى يأتي ذكرها لنستوفي ذلك ونصل إلى المهم من هذا الموضوع .
هذا المقال من: إسلاميات
عنوان المقال