وفي حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيح دخل النبي صلى الله عليه وسلم وعندها امرأة فقال: ( من هذه؟ ) فذكرت من صلاتها أي وعبادتها الزائدة عن الحد المشروع فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( مه عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وكان أحب الدين عليه مادام عليه صاحبه ) ، وهذا ظاهر في هذا التوجيه والإرشاد ، وكان من حديث عائشة ما يبين ذلك وأثره في الصحابة ، وتوجيه النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم قالت: كان إذا أمرهم أمر أمرهم من الأعمال ما يطيقون ، فقالوا:"إنا ليسنا كهيئتك يا رسول الله إن الله قد غفر لك من ذنبك ما تقدم وما تأخر"..كان يأمرهم من الأعمال بأوامر مما يطيقونها وبعبادات مما تيسر عليهم فعلها ، فيرون أن ذلك دون طاقتهم وهمتهم وعزيمتهم ، فيرغبون في الأكثر ، فيقولون:"إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله إن الله قد غفر لك من ذنبك ما تقدم وما تأخر"، قالت: فيغضب حتى يرى الغضب في جهه - صلى الله عليه وسلم - ثم يقول: ( إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا ) أي قمة ما كان يأمر به هو التقوى ، وأن إرشاده لأمته هو الأفضل والأكمل والأمثل الذي لا مزيد عليه ، فمن أراد زيادة فإنما يخرج عن نهج الاعتدال الذي هو سمة الدين ، ومن أراد تشديداً فوق المشروع ؛ فإنما كأنما يرى في فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - قصوراً ونقصاً وهو يريد أن يكون أفضل أو أكثر .
وقد أثر عن مالك - إمام دار الهجرة - أن رجلاً جاء فسأله وهو في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ميقات أهل المدينة فأخبره - وهو معروف في ظاهر المدينة - ، فقال الرجل لأحرمن من مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. قال سأحرم من المسجد ومن داخل المدينة وليس من الميقات ، فقال الإمام مالك:"هذه والله الفتنة"فسمع الرجل فرجع قال: وأي فتنة يا أبا عبد الله ؟ إنما هي أميال أتزيدها أبتغي بها أجر الله أحرم من هذا المكان فتزيد المسافة التي أسيرها وأنا محرم ، فيعظم أجري عند الله ، فقال له:"الفتنة أن تعمل عملا تظن أنك فيه خير من رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فليس هناك خير ولا كمال ولا فضل أتم وأكمل مما أثر عنه عليه الصلاة والسلام .
وكذلك يأتي في مثل هذه الصورة تزاحم الحقوق ؛ فإن من الناس من يندفع إلى طاعة وعبادة ويفرط في حقوق وواجبات أخرى هي من الشرع بمثابة تلك العبادات من حيث وجوبها ، بل ربما تعلق وجوبها بحقوق للعباد لا يكون التساهل أو التسامح فيها مثل ما قد يكون في حق الله - عز وجل - والمثل المضروب في ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح من حديث أبي جحيفة عند البخاري وغيره في قصة مؤاخاة سلمان الفارسي مع أبي الدرداء - رضي الله عنه - جاء سلمان إلى أبي الدرداء في بيته فوجد امرأته مبتذلة قال: ما بالك يا أم الدرداء ؟ قالت: أخوك أبو الدرداء لس له فينا ولا في الدنيا نصيب قد تفرغ لطاعة الله وعبادته فقصر في حقوق أهله ، فجاء أبو الدرداء فقدم الطعام إلى سلمان فقال له سلمان: كل قال: إني صائم قال: عزمت عليك إلا أكلت - وكان متطوعاً - فأفطر ، ثم لما جاء الليل أراد أن يقوم ليصلي فقال له: نم ، ثم أراد أن يقوم فقال له: نم ، ثم أراد أن يقوم فقال له: نم ، حتى إذا كان آخر الليل قال: قم فصل الآن فصليا ثم لما أصبح الصبح قال سلمان: إن لربك عليك حقاً وإن لنفسك عليك حقاً وإن لأهلك عليك حقاً ، فأخبر أبو الدرداء رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: ( صدق سلمان ) .
وكم نرى من اندفاع في باب من الأبواب يقابله قطعاً وبلا أدنى شك تفريطٌ في أبواب أخرى ، ينبغي أن نفقه ذلك وننتبه له ، قال ابن حجر في تعليقه على الحديث: فيه جواز النهي عن المستحبات إذا خشي أن ذلك يفضي إلى السآمة والملل ، وتفويت الحقوق المطلوبة الواجبة ، أو المندوبة الراجح فعلها على فعل المستحب المذكور ، وفي حديث الرجل الذي نذر أن يمشي يحج ماشياً وأن لا يستظل ، ونهاه النبي - عليه الصلاة والسلام - عن ذلك قال ابن حجر فيه:"أن كل شيء يتأذى به الإنسان ولو مآلا مما لم يرد بمشروعيته كتاب ولا سنة كالمشي حافياً ، والجلوس في الشمس ليس من طاعة الله - تعالى - فلا ينعقد به النذر"، وصور من مثل هذا نراها في واقعنا ، وخاصة عند بعض الشباب إذا تعلق قلبه بالطاعة ، وأراد أن يعوض ما فاته من عمره ، أو ربما أن يكفر عما سلف من ذنبه ربما شدد على نفسه بما لا يستطيع الاستمرار فيه في كثير من الأحوال بما يفرط فيه بحقوق أخرى .
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الاخوة المؤمنون:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد إلى مولاه .