وذلك واضح كذلك فيما ورد من الحديث الصحيح عن ابن عباس في حجة الوداع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يلتقط له الحصى التي يرمي بها في منى ، قال: فالتقطت له حصيات كالخذف أي صغيرة في حجمها كما هو معروف ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم بأمثال هؤلاء وإياكم والغلو في الدين ) ، رغم أن المسألة كما نرى في ظاهرها يسيرة في أمر الحصى أن تكون على هذا النحو ، ولكنه عليه الصلاة والسلام حذّر من الغلو ولو في هذا بأن يأخذ الناس كبار الحجار ، رؤية منهم أنها أبلغ في تحقيق المراد بأمر الله ، فنهى عن ذلك ، ثم جعل النهي عن الغلو عاماً رغم أن الحدث خاص ، ورغم أن المسألة ربما تعد مقارنة بغيرها يسيرة فقال: ( إياكم والغلو في الدين ) كما بيّن أهل العلم في شرح الحديث قالوا: وإن كان الأمر خاصا فإن النهي عام عن كل ما فيه غلو وتجاوز للحد المشروع أي في صغير الأمور وكبيرها .
ومن صور التحذير والتنفير من الغلو بيان الشارع الحكيم لسوء عاقبته وخطورة مغبته ، وأنه لا يؤدي حتى إلى مقصود صاحبه ؛ فإن المتشدد في العبادة أو الطاعة فوق الحد المشروع إنما يريد التقرب إلى الله ، وإنما يريد الاستزادة من الخير ومضاعفة وكثرة الثواب والأجر ، لكن النتيجة التي أخبر بها الشارع تؤدي إلى غير ذلك ، فجاء التحذير من هذا الغلو ببيان عاقبته السيئة الوخيمة ، كما في الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يكرر ويدلل ويبين فيقول: ( هلك المتنطعون .. هلك المتنطعون .. هلك المتنطعون ) والهلاك هنا معناه عام يشمل الهلاك في حقيقة الأمر المادي والمعنوي ، فقد يهلك فينقطع عن تلك الطاعات والعبادات ويعجز عنها ، وقد يهلك بانحرافه في اعتقاده ومخالفته لأمر الله وهدي رسوله - صلى الله عليه وسلم - وقد بيّن صفة ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام عندما قال: ( إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ) ، إن المنبت في صفة السفر لا يريد أن يرتاح يقول: أنا أمضي وأمشي إلى غايتي بقوة وعزيمة من غير راحة ولا هدوء ولا توقف .. يريد أن يبلغ الغاية في أقصر وقت وبأعلى قوة وهمة ، فإذا به ينقطع في وسط طريقه لا يستطيع الاستمرار ، ثم يفقد الوسيلة التي بها يسير إلى الغاية إذ تنقطع دابته أو تهلك فيكون حينئذ هلاكه مقطوعاً به في الصورة المادية والمثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم .
ويقول عليه الصلاة والسلام: (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم ؛ فإن قوما قد تشددوا فشدد الله عليهم فتلك بقياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) وهذا أمر واضح ومهم وبيّن وله كثير من الأدلة التي تبينه .
وبعد أن ذكرنا هذه المعالم الرئيسة للفهم الصحيح لحقيقة الغلو ، لعلنا نكمل هذا الفهم بالصور والأمثلة التي تدل عليه ؛ لأن بالمثال يتضح المقال ومن أول هذه الصور وأجلاها:
التشديد على النفس بما هو زائد عن الحد المشروع
ورد في حديث قبيصة بن هلب عن أبيه - رضي الله عنه - أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إن من الطعام طعاما أتحرج منه ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ( لا يختلجن في نفسك شيئا ضارعت فيه النصرانية ) [ رواه أبو داود ] قال الشارح:"لا يدخل في قلبك ضيق ولا حرج ؛ لأنك على الحنيفية السمحة ، فإذا شككت وشددت على نفسك بمثل هذا شابهت فيه الرهبانية"، والمقصود هنا أن بعضا من الأمور التي تدخل في دائرة الحلال العام ربما نجد من يشدد على نفسه في تحريمها ، أو في البحث عن أصولها بحثاً ليس هناك ما يدعو إليه من ناحية الشرع ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيح: ( إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها ) ، وبين الحق - سبحانه وتعالى - لكم فيما أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى الذي دلت عليه الآية في قوله:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا } [ المائدة: من الآية101] .
وهذا ضرب من الضروب يبعث عليه أحياناً شعور في الرغبة في التورع والاستزادة من الزهد ، غير أننا ينبغي أن لا ننسى الأمر المهم ، وهو أننا متعبدون في دين الله على شرع الله ، وهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا على نوازع النفس ولا العواطف ولا ردود الأفعال .
ومن هنا ينبغي أن نفقه ذلك كما ذكر ابن تيمية في قوله:"التشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات ، أو تارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه من الطيبات"، وهذه قضية أخرى وصورة نفردها وحدها في شأن التحريم والتحليل .