والأمر الثالث الذي ننبه عليه هو: أن هذا الرجوع فيه ثبات للمرجعية والمعيارية ، وسلامتها من تنازع الأهواء وضغوط الواقع ، فلو أنه لم يكن لنا رجوع إلى الثابت المعصوم من نصوص الكتاب والسنة لانفرط عقدنا واختلف رأينا وتشتت شملنا ، وذلك أن ما في كتاب الله حق لا باطل معه ويقين لا شك فيه ، وأمر صالح لكل زمان ولكل مكان ، ثم هو من جهة أخرى سالم من التغير والتبدل رغم كل تغيرات الظروف والأحوال .
وبذلك نفقه هذا الأصل المهم في حقيقة فهم الغلو .. إنه ليس فهما ينشأ من واقع الناس ، فإذا بدل الناس وغيّروا في دين الله ، وفرطوا فيه صار الغلو عندهم مفهومه مفهوماً آخر ، فربما رأوا أن التمسك بالفرائض والمحافظة عليها والاجتهاد في الطاعات والزيادة في المشروع منها غلو غير مقبول عند أولئك الضعفة والكسلة المفرطون في الواجبات ، المتخاذلون عن إلتزام الفرائض .
ولو جعلنا ذلك مرجعه إلى الناس لربما جنحت أهواؤهم ممالأة لأعداء الله - عز وجل -ومصانعة لهم أو خوفا منهم ، أو توهم أن عندهم شيئاً من صواب أن ذلك كذلك يؤدي بنا إلى الانحراف ، فلنعلم هذه الحقيقة المهمة ، ثم لنفهم الإطار العام ، والمنهج الذي جاء في كتاب الله ، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر الغلو فيه حتى لا نجنح إلى مثل هذه الأمور التي أشرنا إليها .
أولاً: الدعوة إلى الالتزام والنهي عن التجاوز
هي مفتاح ما جاء في كتاب الله ، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للوقاية من الوقوع في الغلو ، ولفهم حقيقته على وجهها الصحيح .. نحن نقرأ في كل يوم وفي كل ركعة من كل صلاة فريضة وسنة:
{ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة:6،7] .
إنها الدعوة إلى النهج المستقيم المتزن المتوسط المعتدل ، الذي هو جوهر ما جاء في كتاب الله ، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - والتحذير من الخروج عنه تجاوزاً أو تقصيراً إفراطاً أو تفريطاً ، والنهي هنا جاء محذراً من فئتين بوصفين ذكرتهما الآية الكريمة: { غير المغضوب عليهم } ، وهم الذين عرفوا الحق وجحدوه ، و {الضالين} وهم الذين ضلوا في معرفة الحق فلم يصيبوه ، والفئة الأولى بيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها ظاهرة في اليهود ، والثانية ظاهرة في النصارى .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"لما أمرنا الله أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم كان ذلك مما يبين أن العبد يخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين ، وكان السلف يرون أن من انحرف من العلماء عن الصراط المستقيم ففيه شبه باليهود ، ومن انحرف من العباد ففيه شبه بالنصارى ؛ لأن العالم إذا انحرف ينحرف مع معرفته وعلمه وفقهه فهو عرف الحق وجحده إما اتباعاً للهوى أو طلبا للدنياً أو خوفاً على النفس فيما لا يكون فيه الموقف كذلك من الناحية الشرعية ، والعباد الذين يضلون فلا يعرفون الحق فيبتدعون ويزيدون وينقصون من دين الله عز وجل ."
الوجه الثاني: التحذير من الغلو
مقترنا بالنهي عنه في الأمم السابقة ، كما ورد ذلك في آيات كثيرة من كتاب الله سبحانه وتعالى:
{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ } [ النساء: من الآية171] .
وقوله جل وعلا:
{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } [ المائدة:77 ] .
وبيّن الله - عز وجل - صوراً من آثار ذلك الانحراف من الناحية العملية ، وأنكر ذلك وحذر منه كما في قوله:
{ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ } [ الحديد: من الآية27] .
والنبي - صلى الله عليه وسلم - حذر من ذلك عندما ربطه كذلك بمن سبق من الأمم السابقة في حديثه: ( لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم ) أي عندما قالوا المسيح ابن الله ، أو قالوا المسيح هو الله ، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .
وما جاءت هذه الآيات ، ولا تلك الأحاديث للإخبار عن أمر قد مضى في الأمم السابقة إلا ليكون وجها من أوجه العظة والعبرة ، وأن سبب انحرافهم ومن بعد ذلك هلاكهم إنما هو خروجهم عن مقتضى دينهم وغلوهم فيه ، وانحرافهم عن جادة الصواب الذي جاءهم عن الله ، وبلغتهم إياه رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم .
والوجه الثالث: النهي عن الغلو في صوره العامة كلها صغيرها وكبيرها ؛ لأن معالجة الأمور الصغيرة إنما هي معالجة من باب أولى للصور الكبيرة ؛ ولأن النهي عن المقدمات منع للوصول إلى النتائج ؛ ولأن منهج الإسلام منهج متكامل فيه وقاية وحماية كما فيه علاج من بعد وقوع الضرر أو الأذى .