فليس ثمة طغيان ، وليس ثمة تفريط وترك واتباع للأهواء وموافقة للأعداء كما قال عليه الصلاة والسلام: (استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير دينكم الصلاة ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ) [رواه ابن ماجة بسند صحيح ] ، فهذا القول استقيموا ولن تحصوا أي لن تستطيعوا البلوغ إلى الكمال فاستقيموا كما جاء في الحديث الآخر تفسيره ( سددوا وقاربوا ) أي اجتهدوا ليس المقصود باليسر ولا بالسماحة والأخذ بالأدنى ، بل قد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المثل في الأخذ بالأعلى من الأمر المشروع والعبادة العظيمة مع ما كان له من خصائص لم يشاركه فيها غيره من الصحابة ، ونبههم على ذلك أنه ليس كمثلهم ، وأمرهم أن لا يفعلوا مثل فعله ما هو من خصائصه - عليه الصلاة والسلام - كما في قصة النفر الثلاثة الذين رأوا أن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم قليلة قالوا: قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فبين سوء فهمهم ، وقال: ( ما بال أقوام يقولون كذا وكذا ) عندما قال أحدهم: أما أنا فأصلي ولا أنام ، وقال الثاني: أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج، وقال الثالث: أما أن فأصوم ولا أفطر ، فقال عليه الصلاة والسلام: ( أما أنا فأصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ثم بيّن - عليه الصلاة والسلام - تلك الاستقامة في سائر أحواله وأعماله صلى الله عليه وسلم .
ولعلنا في وقفتنا الأخيرة نشير إلى أصل المعنى الذي يقع في أهل الغلو خروجاً عن هذه السمات من وسطية ويسر وسماحة واستقامة هي من صميم هذا الدين ، وهي الحد المشروع الذي يعد الغلو خروجا عنه ، روى الشيخان في صحيحيهما صفة جامعة من جوامع كلم المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في وصف أهل الغلو عندما جاءت القسمة المشهورة وجاء الاعتراض من ذلك الرجل على روايات مختلفة عندما قال للرسول عليه الصلاة والسلام: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله ، وفي رواية: لم تعدل قال عليه الصلاة والسلام: (من يعدل إن لم أعدل ؟!) ثم وصف ذلك الرجل قال: ( يخرج من ظئر هذا أقوام يقرؤون القرآن لا يتجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ) ومن هنا قال أهل العلم:"إن السمة الجامعة لكثير من فروع الغلو ترجع إلى هذين الأمرين: الجهل بالقرآن والشرع كما قال في هذا الحديث ( يقرؤون القرآن لا يتجاوز حناجرهم) "، قال الشاطبي في معناه:"يأخذون أنفسهم بقراءة القرآن لا يتفقهون فيه ولا يعرفون مقاصده"، وقال النووي رحمه الله:"ليس يصل إلى قلوبهم - أي القرآن - لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب"، وهذا لا يحصل منهم والجهل هو الباب الأعظم والأكبر للوصول أو للدخول إلى هذه المزالق الخطيرة ، ويترتب عليه ما يترتب عليه ، وقد قال ابن عمر - رضي الله عنهما - في مثل هذا المعنى قال:"انطقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المسلمين، لم يفقهوا أسباب النزول"لم يفقهوا مقاصد اللأفاظ ودلالاتها ومعانيها لم يفهما بقية النصوص الشرعية التي تكمل بها الصورة ، وينتقل حينئذ الأمر إلى السمة الثانية: وهي التكفير للمسلمين وبالتالي استحلال دمائهم ، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ) وذلك ما سنشرع في الحديث عنه الغلو معالمه ومخاطره ( 2 )
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الاخوة المؤمنون:
حديثنا موصول في موضوع الغلو معالمه ومخاطره ، ووقفتنا اليوم مع الفهم الصحيح لحقيقة الغلو وبيان بعض صوره وقد أسلفنا القول من قبل أنه لابد لنا أولا من فهم وفقه حقيقة الإسلام في وسطيته واستقامته ويسره وسماحته ؛ لأن هذا هو الحد المشروع الذي إنما يعرف الغلو بتجاوزه وتعديه والزيادة عليه أو النقص منه .
ولذلك أول أسس الفهم الصحيح هو: الفهم للحق الذي جاء في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير إفراط ولا تفريط .
والأمر الثاني: أن المرجعية عند حصول الاختلاف أو النزاع إنما هي لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } [ النساء: من الآية59 ] .
فلابد من معرفة هذه القضية إنه عند اختلاف الآراء أو تباين الأفكار أو تعدد الاجتهادات ، فالفصل لا يرجع إلى الأشخاص ولا يرجع إلى المذاهب ولا يرجع إلى التقليد أو التعصب وإنما إلى الاستنارة بضوء وأنوار الكتاب والسنة على ما تقتضيه الأصول العلمية المرعية والاجتهادات العلمية المقبولة.