ولعظم حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم كانوا يغارون على زوجاته وهن أمهاتهم وكان أعظمهم قدرًا في ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي وافقه ربه في ذلك لما قاله البخاري عن أنس قال عمر بن الخطاب يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب وهي كما يقول ابن كثير قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستئنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما (5) . ولم تقف غيرة عمر رضي الله عنه على أمهات المؤمنين عند حد الاستتار وعدم إبداء أي شيء من أبدانهن بل تجاوزت إلى ما هو أبعد من ذلك لما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجت سودة- بعدما ضرب الحجاب- لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب فقال يا سودة أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين قالت فانكفأت راجعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرقُ فدخلت فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا قالت فأوحى الله إليه ، ثم رفع عنه وإن العَرقَ في يده ما وضعه، فقال: إنه قد أُذن لكن أن تخرجن لحاجتكن (6) .
ويقول ابن حجر في شرحه للحديث: والحاصل أن عمر رضي الله عنه وقع في قلبه نفرةُ من إطلاع الأجانب على الحريم النبوي حتى صرح بقوله له عليه الصلاة والسلام:"احجب نساءك"، وأكد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلاً ولو كن مستترات فبالغ في ذلك فمنع منه وأُذن لهن في الخروج لحاجتهن دفعًا للمشقة ورفعًا للحرج (7) .
ولقد قَدَّرَ النبي النبي صلى الله عليه وسلم غيرة عمر رضي الله عنه قَدْرها حتى في المنام، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جلوس فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"بينما أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأةُ تتوضأ إلى جانب قصر فقلت لمن هذا؟ قال هذا لعمر فذكرتُ غيرتهُ فوليت مدبرًا"فبكى عمر وهو في المجلس ثم قال: أو عليك يا رسول الله أغار" (8) ."
فإذا كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يولي مدبرًا حتى لا يرى امرأة عمر بجوار قصرها، فأين هذا الخلق العظيم من أخلاق الذين في قلوبهم مرض فيقتحمون البيوت على المؤمنات الغافلات من خلال الهواتف والمكالمات والمرسلات، أو قهرًا لأهلها في الظلمات، تالله ما لهؤلاء غيرة وإن قلوبهم لفي موات، ثم أين هذا التوقير النبوي للغيرة المحمودة من كثير من الرجال اليوم الذين خرموا الغيرة فإذا هم يعرضون نساءهم وبناتهم وأخواتهم في الشوارع والطرقات متبرجات مزينات، رخيصات، ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
الغيرة منها المحمودة ومنها المرفوضة
لما رواه الإمام أحمد في المسند والنسائي بسند حسن قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"إن من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله، فأما الغيرة التي يحبها الله فالغيرة في"
الريبة، وأما الغيرة التي يبغضها الله فالغيرة في غير الريبة" (9) ."
فعلى الزوجين- وخاصة إن كانا متدينين حقًا- أن يدع كل منهما للآخر مجالاً لمراقبة الله تعالى ومحاسبة ضميره، فلا يعكر كل منهما سعادة الأسرة بالغيرة في غير ريبة، وخاصة إذا التزما حدود الشرع وتجنبا مواطن الشبهات، فعلى الزوجة أن تكون مدافعة عن زوجها لا موظف مخابرات تسأله دائمًا أين كنت، وماذا فعلت، إلى آخر هذه المضايقات، وعلى الزوج إذا التزمت زوجته ستر بدنها وعدم الخلوة بالأجانب ولم تخضع في قولها مع الأجانب فلا يقحم نفسه في ريبة تجلب الشقاء للأسرة بغيرة مذمومة، فالأفرنج كان فرسانهم في القرون الوسطى ليضمنوا عفة نسائهم، كانوا يربطون الأحزمة الحديدية ذات الأقفال حول وسط المرأة ويحتفظون بالمفاتيح معهم! لكن في المجتمع المسلم هناك مراقبة الله سبحانه فلتكن الغيرة في موضعها الصحيح من غير إفراط ولا تفريط.
ما يحدث لو ماتت الغيرة
أولاً: بدلاً أن يغار المرء على أهله مثل رسوله وسلفه الصالح ينشر أسرارهم فيصير من شرار الناس عند الله منزلة لما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"إن من أشرّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها" (11) . ومعنى يفضي إليها بالمباشرة والمجامعة، وقد تفعل المرأة كذلك.