ثانيًا: يستعير لأهله التيوس المستعارة بدلاً من حفظهم وصيانتهم لما رواه ابن ماجه بإسناد صحيح عن عقبة ابن عامر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له". وذكر الذهبي عن ابن عمر أن رجلاً سأله فقال: ما تقول في امرأة تزوجتها أحلها لزوجها لم يأمرني ولم يعلم فقال له ابن عمر لا إلا نكاح رغبة إن أعجبتك أمسكتها وإن كرهتها فارقتها وإن كنا نعد هذا سفاحًا على عهد رسول اللَّه # (13) ، فموت الغيرة مجلبة للعنة من الله وأوسع أبواب السفاح.
ثالثًا: قد تموت الغيرة حتى يُقر المرء الخبث في أهله فيكون ديوثًا ويستوجب أعظم العقوبات وهو الحرمان من نظر الله تعالى إليه، لما رواه النسائي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلةُ والديوث، وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى" (14) . ويقول الحافظ الذهبي في وصف الديوث: هو من كان يظن بأهله الفاحشة ويتغافل لمحبته فيها أو لغير ذلك ولا خير فيمن لا غيرة له (15) .
رابعًا: وإذا قل الغيورون وكثر الديوثون صارت أخلاقهم كأخلاق الحمير، وهذا بين يدي الساعة كما في حديث البزار والحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"لا تقوم الساعة حتى يتسافدوا في الطريق تسافد الحمير". قلت: إن ذلك لكائن؟ قال: نعم ليكونَنَّ. ويقول الألباني مصححًا له: وله شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعًا وهو:"والذي نفسي بيده، لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق فيكون خيارهم يومئذ من يقول لو واريتها وراء هذا الحائط" (16) . فغيرة خير الناس في ذلك الوقت ليست إنكار الفاحشة ولا منعها ولا تغييرها وإنما أن يأخذها بعيدًا عن الطريق العام ويتوارى وراء حائط. نسأل الله ألا يدركنا هذا الزمان ولا ندركه، وأن يستر عوراتنا، وأن يؤمن روعاتنا.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد