فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 9994

حُكم الزواج..

الحمد لله الذي جعل للناس من أنفسهم أزواجًا يسكنون إليها وجعل بينهم مودة ورحمة، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:

فإن الزواج من أعظم نعم الله -تعالى- على الناس، وقد جعل ذلك من آياته فقال: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الروم:21.

وقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً..} النساء:1

وقد حث عليه القرآن الكريم في آيات منها قوله -تعالى-: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} النور:32. وقال -تعالى-: {..فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} النساء:3.

ورغبت السنة في النكاح ترغيبًا، بل أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- من استطاع مِن الشباب، فعن علقمة -رحمه الله- قال: كنت أمشي مع عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- بمنىً فلقيه عثمان، فقام معه يحدثه، فقال له عثمان: يا أبا عبد الرحمن ألا نزوجك جارية شابة لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك؟! فقال عبد الله: لئن قلت ذاك لقد قال لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء".1

والأحاديث والآثار في الترغيب في الزواج كثيرة.. وسيأتي ذكر شيء من ذلك قريبًا -إن شاء الله-.

كلام العلماء في حكم الزواج2:

أولًا: يرى الأحناف أن الزواج فرض في حال التوقان إليه، مع خوف الوقوع في الزنا بحيث لا يمكنه التحرز إلا به، هذا ما لم يعارضه خوف الجور، مع ملك مؤن الزواج فإن عارضه حصول جور وعدم وجود النفقة كره ذلك.

قال في شرح ابن عابدين:"ومقتضاه الكراهة عند عدم ملك المهر والنفقة، لأنهما حق عبد، وإن خاف الزنا ندب له الاستدانة له، فإن الله ضامن في الأداء فلا يخاف الفقر، إذا كان في نيته التحصين والتعفف".3

ومقتضى كلام الأحناف التأكيد على الوجوب عند تيقن الوقوع في الزنا ولو لم يكن يملك مؤن الزواج، وإن غلب على ظنه عدم القدرة على الوفاء بالدين، قالوا:"عند تيقن الزنا ينبغي الوجوب، وإن لم يغلب على ظنه قدرة الوفاء".4

هذا في حال التوقان وملك المهر والنفقة، وأما في حال الاعتدال مع القدرة على المهر والنفقة فهو سنة مؤكدة.5

ثانيًا: المالكية يرون وجوبه لمن تاقت نفسه إليه رجاء النسل، مع خشية الوقوع في الزنا، فقالوا: هو واجب إن خشي العنت، ويتعين عليه أن يتزوج في هذه الحالة، وهم يتفقون في هذه الحالة مع الأحناف، ولكنهم قالوا: يكره لمن لم يحتج إليه، ويخشى ألا يقوم بما وجب عليه من مؤونته من الصداق والنفقة والوطء، ويحرم عليه إن كان عاجزًا عن الوفاء بمؤنه جميعًا أو بإحداها وثبت عجزه عليها.6

ثالثًا: الشافعية: أما الشافعية، فداروا بين الجواز والندب، ولم يقولوا بالوجوب.

فهو مستحب عندهم إذا احتاج إليه الإنسان؛ بأن تاقت نفسه إلى الوطء، بشرط أن يجد مؤنته من مهر ونفقة، وتحصينًا للدين، فإن فقد هذين الشرطين استحب تركه! مع كسر شهوته بالصوم، للحديث المشهور:"ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء"أي دافع لشهوته.

ويرون فيه الكراهة إن لم يحتج إليه مع فقد الأهبة من مؤن وغيره، لما فيه من الالتزام الذي لا يقدر على الوفاء به، فإن وجد الأهبة ولم تكن به علة مانعة فلا يكره له ذلك.

لكنهم مع ذلك رأوا أن العبادة أفضل فإن لم يكن الإنسان متعبدًا فالنكاح أفضل له من تركه؛ كيلا تفضي به البطالة إلى الفواحش.7

وقد فصل الإمام النووي رحمه الله وجهة نظر أصحاب مذهبه فقال:

"الناس ضربان: تائق إلى النكاح، وغير تائق."

فالتائق إن وجد أهبة النكاح استحب له، سواء كان مقبلًا على العبادة أم لا، وإن لم يجدها فالأولى أن لا يتزوج ويكسر شهوته بالصوم.

وأم غير التائق، فإن لم يجد أهبة أو كان به مرض أو عجز أو كبر كره له النكاح؛ لما فيه من التزام ما لا يقدر على القيام به من غير حاجة.

وإن وجد الأهبة ولم يكن به علة، لم يكره له النكاح، ولكن التخلي للعبادة أفضل.

فإن لم يكن مشتغلًا بالعبادة فالنكاح له أفضل كيلا تفضي به البطالة والفراغ إلى الفواحش".8"

وهذا الرأي الذي انفرد به الشافعية كان متابعة لما رجحه الإمام الشافعي رحمه الله من أن التخلي لعبادة الله -تعالى- أفضل؛ لأن الله -تعالى- مدح يحيى -عليه السلام- بقوله: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} آل عمران:39. والحَصور: الذي لا يأتي النساء، فلو كان النكاح أفضل لما مدح بتركه، وقال -تعالى-: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ} آل عمران:14، وهذا في معرض الذم؛ ولأن الزاوج عقد معاوضة، فكان الاشتغال بالعبادة أفضل منه.9

رابعًا: الحنابلة يرون أن الزواج سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، أمر الله -تعالى- به ورسوله وحثا عليه.

ويتمسكون بالأحاديث الحاثة عليه، كحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"..ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".10

ففي هذا الحديث حث على الزواج مؤكد، ووعيد لمن يشذ عن طريقة النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه.

ومما استدلوا به حديث معقل بن يسار قال -رضي الله عنه-: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال:"إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد فأتزوجها؟ قال: (لا) ، ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال:"تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم".11"

وقال سعد ابن أبي وقاص -رضي الله عنه-:"رد النبي -صلى الله عليه وسلم- على عثمان بن مظعون التبتُّل، ولو أحلَّه له لاختصينا".12 والتَبتُّل: هو الانقطاع عن الزواج لأجل العبادة.

وعن أنس -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمرنا بالباءة وينهى عن التبتل نهيًا شديدًا ويقول:"تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة".13

قال ابن قدامة -بعد أن ذكر الأدلة السابقة-:

"وهذا حث على النكاح شديد ووعيد على تركة يقربه إلى الوجوب، والتخلي منه إلى التحريم، ولو كان التخلي أفضل لانعكس الأمر؛ ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوج وبالغ في العدد، وفعل ذلك أصحابه، ولا يشتغل النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه إلا بالأفضل، ولا تجتمع الصحابة على ترك الأفضل والاشتغال بالأدنى. ومن العجب أن من يفضل التخلي لم يفعله! فكيف اجتمعوا على النكاح في فعله وخالفوه في فضله! فما كان فيهم من يتبع الأفضل عنده ويعمل بالأدنى؛ ولأن مصالح النكاح أكثر، فإنه يشتمل على تحصين الدين وإحرازه، وتحصين المرأة وحفظها والقيام بها، وإيجاد النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي -صلى الله عليه وسلم- وغير ذلك من المصالح الراجح أحدها على نفل العبادة، فمجموعها أولى."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت