فهرس الكتاب

الصفحة 356 من 9994

قال: وقد روينا في أخبار المتقدمين أن قومًا ذكروا لنبيٍّ لهم فضل عابد لهم، فقال: أما أنه لتارك لشيء من السنة، فبلغ العابد فأتى النبيَّ فسأله عن ذلك فقال: إنك تركت التزويج! فقال: يا نبي الله وما هو إلا هذا، فلما رأى النبيُّ احتقاره لذلك قال: أرأيت لو ترك الناس كلهم التزويج، من كان يقوم بالجهاد، وينفي العدو، ويقوم بفرائض الله وحدوده؟ وأما ما ذكر عن يحيى فهو شرعه وشرعنا وارد بخلافه، فهو أولى. والبيع لا يشتمل على مصالح النكاح ولا يقاربها".14"

وأما من لا شهوة له فقد ذهب بعض الحنابلة إلى أن تركه النكاح والاشتغال بالعبادة أولى في حقه، ومنهم من استحبه جريًا على العموم، قال ابن قدامة:"مَن لا شهوة له إما لأنه لم يخلق له شهوة كالعنين، أو كانت له شهوة فذهبت بكبر أو مرض ونحوه، ففيه وجهان، أحدهما: يستحب له النكاح لعموم ما ذكرنا، والثاني: التخلي له أفضل؛ لأنه لا يُحصِّل مصالح النكاح، ويمنع زوجته من التحصين بغيره، ويضر بها بحبسها على نفسه، ويعرض نفسه لواجبات وحقوق لعله لا يتمكن من القيام بها، ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه. والأخبار تحمل على من له شهوة؛ لما فيها من القرائن الدالة عليها".15

ومن ثم وجد بعض متأخري الشافعية يميلون إلى وجهة أصحاب هذا الرأي في النكاح، ذكر ذلك النووي.16

وظاهر كلام الإمام أحمد أنه لا فرق بين القادر على الإنفاق والعاجز عنه، وقال: ينبغي للرجل أن يتزوج، فإن كان عنده ما ينفق أنفق، وإن لم يكن عنده صبر، ولو تزوج بشَرٌ كان قد تم أمره، واحتج بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصبح وما عنده شيء، ويمسي وما عنده شيء، وإن النبي -صلى الله عليه وسلم- زوَّج رجلًا لم يقدر على خاتم حديد، ولا وجد إلا إزاره، ولم يكن له رداء! أخرجه البخاري. قال أحمد -في رجل قليل الكسب يضعف قلبه عن العيال-: الله يرزقهم، التزويج أحصن له، ربما أتى عليه وقت لا يملك قلبه فيه. وهذا في حق من يمكنه التزويج، فأما من لا يمكنه فقد قال الله -تعالى-: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} النور:33.17

خامسًا: الظاهرية لهم في النكاح قول واحد هو الوجوب على كل قادر على الوطء، إن وجد أهبة الزواج، فإن عجز فليكثر من الصوم.

وقد ذكر ابن حزم الأدلة على ما ذهبوا إليه، ومنها الحديث المتقدم:"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج..".

ومما استدلوا به حديث نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن التبتل، وقد كان عمر -رضي الله عنه- شديد التحريض عليه حتى لفقراء الناس، وكان يعتقد أن الزواج فيه مفتاح الرزق، فكان يقول: (ابتغوا الغنى في الباءة) أي الزواج. وكان إذا رأى رجلًا عزبًا أنبه ورماه بألفاظ تثير حفيظته ليسرع إلى الزواج، فقد رأى أبا الزوائد وقد تقدمت به السن فقال له: (ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور) .18

والخلاصة:

فالزواج ليس بفرض، إلا أن يخاف المسلم أن يقع في الفاحشة، فإنه يتعين حينئذ، وهو الذي عليه جمهور الفقهاء.

ولم يقل أحد من الفقهاء بأنه فرض عين على كل مسلم ومسلمة مطلقًا إلا داود الظاهري وابن حزم، فإنهم يذهبون إلى أنه فرض عين على القادر على الوطء والإنفاق، تمسكًا بقوله -تعالى-: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} النساء:3.

ولنا في حديث"يا معشر الشباب"الأسوة الحسنة؛ ففيه البيان الشافي لفقه المسألة، حيث جاء فيه الحث على الزواج إذا كان قادرًا عليه، وكذلك فيه إرشاد العاجز عن مؤن النكاح وتكاليفه إلى الصوم؛ وهو تعديل مؤقت للشهوة، وتأجيل للإقبال على الزواج؛ لأن شهوة النكاح تابعة لشهوة الطعام، تقوى بقوته وتضعف بضعفه.

والصوم -كما يقول ابن حجر-:"يسكن الشهوة ولا يقطعها؛ لأنه قد يقدر على النكاح بعد فيندم لفوت ذلك".19

هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

1-رواه البخاري ومسلم واللفظ له.

2-انظر كتاب الزواج وأحكامه في مذهب أهل السنة للدكتور: السيد أحمد فرج. من صفحة 13 إلى20. مع التصرف للحاجة.

3-حاشية ابن عابدين (2/267) .

4-المصدر السابق.

5-المصدر السابق.

6-جواهر الإكليل شرح مختصر خليل (1/274) . وغيره.

7-المهذب للشيرازي (2/37) .

8-روضة الطالبين (7/18) .

9-ذكر ذلك ابن قدامة في المغني (7/334) . ط: دار الفكر بيروت- 1405 هـ.

10-رواه البخاري ومسلم.

11-رواه أبو داود والنسائي، وهو حديث صحيح. انظر صحيح أبي داود للألباني (1805) .

12-رواه البخاري ومسلم.

13-رواه أحمد في مسنده، وقال الأرنؤوط: صحيح لغيره وهذا إسناد قوي. مسند أحمد حديث رقم (12634) .

14-المغني (7/334) .

15-المصدر السابق.

16-روضة الطالبين (7/18) .

17-المغني (7/335) .

18-انظر المحلى لابن حزم (9/440) .

19-فتح الباري (9/92) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت