فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
لم يعرف التاريخُ مجتمعًا مُتعاونًا مُتراحمًا كالمجتمع الإسلاميِّ في عُصُورِهِ الزَّاهية، عصور الصحابة والتابعين، وتحقق هذا في عصور لاحقة في بعض بلدان الإسلام وإلى اليوم لا تزال كثير من المجتمعات الإسلامية -بحمد الله- ترحم الصغير، وتكفل المسكين واليتيم، وتقوم على أعمال البر والخير المختلفة، والمجتمع إذ يقوم على ذلك الأساس فإنما يعمل بتوجيه الله له،كما في قوله -سبحانه-: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} سورة المائدة:2، ومن مظاهر هذا التعاون والتراحم:
تقدير الكبار واحترامهم وإكرامهم: وقد بين النبي-صلى الله عليه وسلم- أن من لم يرحم الصغير ويحترم الكبير فهو شاذ عن هذا المجتمع ويُعتبر عضوًا فاسدًا لا يصلح أن يعيش في هذا المجتمع المتراحم,فقال: (ليسَ منَّا مَن لم يرحم صغيرنا ويوقِّر كبيرنا) (2) .
مساعدة المحتاج وتنفيس الكرب عنه: بالدَّين والقرض والسلم والهدية والصدقة والرهن والحوالة وما أشبه ذلك من صور المساعدة التي ترفع الهم والغم عن المكروب، وقد حث رسولُ الله على التعاون والتراحم،فقال: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة) رواه مسلم وغيره.
4.مجتمع عفيف طاهر: لم يتمرَّغ في أوحال الدنس والقذارة الأخلاقية، فالتلطخ بالفواحش والمفاخرة والمجاهرة بذلك ليست من سمات ذلك المجتمع، وقد جعل الله -تعالى- زواجر وروادع للحيلولة بين المجتمع وبين تلك الفواحش؛ ليبقى المجتمع عفيفًا نظيفًا من كل مظاهر الفاحشة وما يؤدي إليها، فجعل حدًا لمن لطخ سمعة نفسه وسمعة المجتمع الطاهرة؛ بأن حكم عليه إن زنى وهو محصن بالرجم حتى الموت، وإن كان بكرًا بالجلد مائة جلدة، وما ذلك إلا لترتدع النفوس عن تدنيس الأفراد والمجتمعات.. أين هذا الطهر والتطهير والعفاف من المجتمعات الكافرة اليوم التي امتلأت بأولاد الزنى؟! وأين هذا من المجتمعات التي أصبحت تفاخر وتجاهر بالفاحشة على مستوى العالم! لقد كانت النتيجة بالنسبة لهم مؤلمة وخطيرة، فالأمراض القاتلة تلاحقهم، وشبح الموت لا يفارقهم.
والمجتمع المسلم يبتعد عن الأسباب التي تدنسه، كالنظر إلى النساء الأجنبيات الذي يعد من وسائل الفاحشة، ومن ذلك سماع الغناء الماجن، والاختلاط بين الرجال والنساء في أي مكان كان، وغير ذلك من الأسباب التي تؤدي إلى انهيار المجتمعات.
إن هذه الصفات التي ذكرت وغيرها امتثلها واتصف بها مجتمع الرسول الكريم، ذلك المجتمع الذي يُعدُّ مقياسًا لنجاح كلِّ مَنْ أراد الإصلاح في الأرض، فهو المجتمع الذي حقق المُثُلَ العُليا التي تسعى الصحوةُ الإسلامية اليوم لإعادتها إلى المجتمعات التي عزفت عنها قرونًا من الزمن، وإن وجدت في بعضها فليس ذلك الوجود ظاهرة اجتماعية لكل مجتمعات المسلمين اليوم، بل قد توجد تلك الصفات في بيئات نادرة أو أفراد مستقيمين، أو بيوت عامرة بالصلاح والخير يمثل البيت كثيرًا من تلك الصفات، أما الناظر إلى حال المسلمين اليوم فسيجد التفريط الواضح في خصائص دينهم، وتشبه بعضهم بالمجتمعات الغربية الكافرة، مما أدى إلى الانفصام النكد بين الأمة ودينها، وقد عانت الأمة من هذا الانفصام على مدى عقود من الزمن، ذلك الانفصام كانت له نتائجه السيئة التي عانى منها ولا يزال يعاني منها المجتمع الإسلامي في كل مكان.. لقد كان من النتائج السيئة التي عانى ويعاني منها المسلمون-بسبب تنصلهم من تلك الخصائص-: الذلة والمهانة وتسلط الأعداء،والتبعية المفرطة لأنظمة الغرب وأفكاره،وبعض مظاهر حياته التي تخصه، والتنكر لثوابت الدين،ورمي الماضي بالتخلف والجمود، والسخرية بشعائر الدين وسننه فضلًا عن القيام بها والاستقامة عليها، وغير ذلك..
لكننا نسأل الله العلي الكبير أن يهيئ لنا مجتمعات صالحة مصلحة، تعبد الله على علم وبصيرة، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتأخذ على يد الظالم وتنصر المظلوم، وتعلي راية الإسلام..
ربنا أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين..
1-رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه. وقد صححه الألباني في كتب كثيرة منها: صحيح أبي داود برقم (1312) .
2-رواه أحمد والترمذي,وصححه الألباني في صحيح الجامع (5444) وفي غيره.