فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 9994

المقدمة:

الحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات، والصلاة والسلام على الشفيع في العرصات، محمد بن عبد الله المؤيد بالمعجزات، وعلى آله وصحبه خير البريات، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم العرض على رب الأرض والسموات.

أما بعد:

فإن الله -سبحانه- قد بين للناس طرق الخير وحثهم عليها، وبين لهم سبل الشر، وحذر من سلوكها، وذلك في كثير من آياته. فمن الآيات التي بين الله فيها طرق الخير قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ..} الآية.. فقد تضمنت هذه الآية ذكر جل قواعد وأصول الدين العامة؛ فتضمنت ذكر جُل أركان الإيمان من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، ويدخل فيه ما يكون بعد الموت؛ كفتنة القبر، ونعيمه، وعذابه، وقيام الساعة، والبعث، والحساب، والصراط، والميزان، وأخذ الكتاب باليمين، أو الشمال، والجنة، وما ذُكر من نعيمها، والنار، وما ذكر من عذابها، وغير ذلك مما جاء في الكتاب، والسنة عن هذه الأمور مفصلًا أحيانًا، ومجملًا أحيانًا. وتضمنت ذكر بعض أركان الإسلام، من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة للمستحقين لها، وتضمنت الإشارة أعمال الجوارح؛ كالوفاء بالعهود، وتضمنت الإشارة إلى أعمال الجوارح كالصَّبرِ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ. فإلى شرح وجيز لهذه الآية، ثم استخراج بعض الفوائد المستنبطة منها.

الآية:

قال الله -تعالى-: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} سورة البقرة: 177.

شرح الآية:

هذه آية كريمة اشتملت على جمل عظيمة، وقواعد مستقيمة، يقول الله- تعالى-: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} "البر"في الأصل الخير الكثير؛ ومنه سمي"البَرّ"لسعته، واتساعه؛ ومنه"البَرّ"اسم من أسماء الله؛ كما قال تعالى: {إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} سورة الطور 28؛ ومعنى الآية: ليس الخير، أو كثرة الخير، والبركة أن يولي الإنسان وجهه قبل المشرق- أي جهة المشرق؛ أي جهة المغرب. وهذه الآية نزلت توطئة لتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؛ بين الله -عز وجل- فيها أنه ليس البر أن يتوجه الإنسان إلى هذا، أو هذا؛ ليس هذا هو الشأن؛ الشأن إنما هو في الإيمان بالله... إلخ. أما الاتجاه فإنه لا يكون خيرًا إلا إذا كان بأمر الله؛ ولا يكون شرًا إلا إذا كان مخالفًا لأمر الله؛ فأيّ جهة توجهتم إليها بأمر الله فهو البر. وجاءت الآية بذكر المشرق، والمغرب؛ لأن أظهر، وأبين الجهات هي جهة المشرق، والمغرب. فليس من البر تولية الإنسان وجهه قبل المشرق أو المغرب، ولكن البر يكون بالخصال التالية:

أولًا: الإيمان بالله:

قوله: {ولكن البر من آمن بالله} "الإيمان"في اللغة بمعنى التصديق؛ لكنه إذا قرن بالباء صار تصديقًا متضمنًا للطمأنية، والثبات، والقرار؛ فليس مجرد تصديق؛ ولو كان تصديقًا مطلقًا لكان يقال: آمنه- أي صدقه؛ لكن:"آمن به"مضمنة معنى الطمأنينة، والاستقرار لهذا الشيء؛ وإذا عديت باللام- مثل: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} سورة العنكبوت26- فمعناه أنها تضمنت معنى الاستسلام والانقياد. والإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده، وربوبيته، ، وأولهيته، وأسمائه وصفاته.

ثانيًا: الإيمان باليوم الآخر:

قوله: {واليوم الآخر} هو يوم القيامة؛ وسمي آخرًا؛ لأنه ليس بعده يوم. ويشمل الإيمان باليوم الآخر؛ الإيمان بكل ما أخبر الله به وأخبر به رسوله-صلى الله عليه وسلم- مما يكون بعد الموت؛ كفتنة القبر، ونعيمه، وعذابه، وقيام الساعة، والبعث، والحساب، والصراط، والميزان، وأخذ الكتاب باليمين، أو الشمال، والجنة، وما ذُكر من نعيمها، والنار، وما ذكر من عذابها، وغير ذلك مما جاء في الكتاب، والسنة عن هذه الأمور مفصلًا أحيانًا، ومجملًا أحيانًا.

ثالثًا: الإيمان بالملائكة:

قوله: {والملائكة} جمع ملَك؛ وهم عالَم غيبي خلقهم الله -سبحانه وتعالى- من نور، وذللهم لعبادته، وهم لا يستكبرون عن عبادته، ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وهم أجسام ذوو عقول؛ لقوله: {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ} سورة فاطر1؛ ولقوله تعالى في وصف جبريل: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} سورة التكوير19-21.

رابعًا: الإيمان بالكتب:

قوله: {والكتاب} ؛ المراد به الجنس؛ فيشمل كل كتاب أنزله الله -عز وجل- على كل رسول، ومن ذلك الإنجيل الذي على موسى، والتوراة على عيسى، والزبور على داود، وصحف إبراهيم وموسى، والفرقان الذي أنزل على محمد- صلى الله عليه وسلم-.

خامسًا: الإيمان بالأنبياء:

قوله: {والنبيين} يدخل فيهم الرسل؛ لأن كل رسول فهو نبي، ولا عكس؛ قال الله -تعالى-: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ} سورة النساء163. وقد ذكر في القرآن أربعة وعشرون رسولًا؛ كما قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ} أي إبراهيم: {إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} سورة الأنعام84-86؛ فهؤلاء ثمانية عشر؛ ويبقى شعيب، وصالح، وهود، وإدريس، وذو الكفل، ومحمد -صلى الله عليه وسلم-.

سادسًا: بذل الصدقة للمستحقين:

قوله: {وآتى} أي أعطى؛ {المال} كل عين مباحة النفع سواء كان هذا المال نقدًا، أو ثيابًا، و طعامًا، أو عقارًا، أو أي شيء. قوله: {على حبه} حال من فاعل {آتى} ، يعني حال كونه محبًا له لحاجته إليه؛ كالجائع، أو لتعلق نفسه به، مثل أن يعجبه جماله، أو قوته، أو ما أشبه ذلك. والمستحقين للصدقة الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله في قوله -تعالى-: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} سورة التوبة 60. وقد ذكر الله منهم في هذه الآية ما يلي:

1.قوله: {ذوي القربى} أي أصحاب القرابة؛ والمراد قرابة المعطي؛ وبدأ بهم قبل كل الأصناف؛ لأن حقهم آكد؛ وقد ذكروا أن القرابة ما جمع بينك وبينهم الجد الرابع. وتصرف الزكاة لهم بشرط أن يكونوا فقراء، ولا تجب على المزكي أن ينفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت