فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
2.قوله: {واليتامى} جمع يتيم؛ وهو من مات أبوه قبل بلوغه من ذكر، أو أنثى؛ فأما من ماتت أمه فليس بيتيم؛ ومن بلغ فليس بيتيم؛ وسمي يتيمًا من اليتم؛ وهو الانفراد؛ ولهذا إذا صارت القصيدة جميلة، أو قوية يقولون: هذه الدرة اليتيمة- يعني أنها منفردة ليس لها نظير.
3.قوله: {والمساكين} جمع مسكين؛ وهو الفقير؛ سمي بذلك لأن الفقر أسكنه، وأذله؛ والفقر- أعاذنا الله منه- لا يجعل الإنسان يتكلم بطلاقة؛ هذا في الغالب؛ لأنه يرى نفسه أنه ليس على المستوى الذي يمكنه من التكلم؛ ويرى نفسه أنه لا كلمة له، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره"1. واعلم أن الفقير بمعنى المسكين؛ والمسكين بمعنى الفقير؛ إلا إذا اجتمعا صار لكل واحد منهما معنى غير الآخر؛ فالفقير أشد حاجة، كما في آية الصدقة: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ} سورة التوبة60؛ لأن الله بدأ به؛ ويُبدأ بالأحق فالأحق، والأحوج فالأحوج في مقام الإعطاء؛ ويجمعهما - أعني الفقير، والمسكين - أن كلًا منهما ليس عنده ما يكفيه وعائلته من مطعم، ومشرب، وملبس، ومسكن، ومنكح، ومركوب.
4.قوله: {وابن السبيل} ؛"السبيل"بمعنى الطريق؛ والمراد بـ {ابن السبيل} الملازم للطريق؛ وهو المسافر؛ والمسافر يكون في حاجة غالبًا، فيحتاج إلى من يعطيه المال؛ ولهذا جعل الله له حظًا من الزكاة؛ فابن السبيل هو المسافر؛ وزاد العلماء قيدًا؛ قالوا: المسافر المنقطع به السفر -أي انقطع به السفر؛ فليس معه ما يوصله إلى بلده؛ لأنه إذا كان معه ما يوصله إلى بلده فليس بحاجة؛ فهو والمقيم على حدٍّ سواء؛ فلا تتحقق حاجته إلا إذا انقطع به السفر.
5.قوله: {والسائلين} جمع سائل؛ وهو المستجدي الذي يطلب أن تعطيه مالًا؛ وإنما كان إعطاؤه من البر؛ لأن معطيه يتصف بصفة الكرماء؛ ولذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يُسأل على الإسلام شيئًا إلا أعطاه؛ والسائل نوعان؛ سائل بلسان المقال: وهو الذي يقول للمسؤول: أعطني كذا؛ وسائل بلسان الحال: وهو الذي يُعَرِّض بالسؤال، ولا يصرح به، مثل أن يأتي على حال تستدعي إعطاءه.
6.قوله: {وفي الرقاب} أي في إعتاق الرقاب، أو فكاكها من الأسر.
سابعًا: إقامة الصلاة:
قوله: {وأقام الصلاة} هذه معطوفة على {آمن} التي هي صلة الموصول؛ فيكون التقدير: ومن أقام الصلاة؛ و {الصلاة} المراد بها الفرض، والنفل؛ وإقامتها الإتيان بها مستقيمة؛ لأن أقام الشيء يعني جعله قائمًا مستقيمًا؛ وليس المراد بإقامة الصلاة الإعلام بالقيام إليها.
ثامنًا: إيتاء الزكاة:
قوله: {وآتى الزكاة} أي أعطى الزكاة مستحقها؛ و"الزكاة"أيضًا من الكلمات التي نقلها الشرع عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي؛ فالزكاة في اللغة من زكا يزكو -أي نما، وزاد؛ وبمعنى الصلاح؛ ومنه قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} سورة الشمس 9. أي أصلحها، وقومها؛ لكن في الشرع"الزكاة"هي التعبد ببذل مال واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة؛ وسميت زكاة؛ لأنها تنمي الخُلق وتنمي المال، وتنمي الثواب؛ تنمي الخُلُق بأن يكون الإنسان بها كريمًا من أهل البذل، والجود، والإحسان؛ وهذا لا شك من أفضل الأخلاق شرعًا، وعادة؛ وتنمي المال بالبركة، والحماية، والحفظ؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"ما نقصت صدقة من مال"2؛ وتزكي الثواب؛ كما قال تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} سورة البقرة261؛ وصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب؛ فإن الله تعالى يأخذها بيمنيه، فيربيها، كما يربي الإنسان فلوه حتى تكون مثل الجبل"3.
تاسعًا: الوفاء بالعهد:
قوله: {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} ؛ {إذا} هنا مجردة من الشرطية؛ فهي ظرفية محضة- يعني: الموفون بعهدهم وقت العهد؛ أي في الحال التي يعاهدون فيها؛ فإذا عاهدوا وفوا. والعهد عهدان عهد مع الله، وعهد مع الخلق، فهم يوفون بالعهدين.
عاشرًا: الصبر في السراء والضراء:
قوله: {والصابرين} الصبر حبس النفس على طاعة الله، أو عن معصيته، أو على أقداره المؤلمة. قوله: {في البأساء والضراء وحين البأس} : {البأساء} شدة الفقر؛ ومنه"البؤس"يعني الفقر؛ و {الضراء} المرض؛ و {حين البأس} شدة القتل؛ فهم صابرون في أمور لهم فيها طاقة، وأمور لا طاقة لهم بها؛ {في البأساء} يعني: في حال الفقر؛ لا يحملهم فقرهم على الطمع في أموال الناس، ولا يشكون أمرهم لغير الله؛ بل يصبرون عن المعصية: لا يسرقون، ولا يخونون، ولا يكذبون، ولا يغشون؛ ولا تحملهم الضراء- المرض، وما يضر أبدانهم - على أن يتسخطوا من قضاء الله وقدره؛ بل هم دائمًا يقولون بألسنتهم وقلوبهم: رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا؛ كذلك حين البأس يصبرون، ولا يولون الأدبار- وهذا صبر على الطاعة؛ فتضمنت هذه الآية: {الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} الصبر بأنواعه الثلاثة: الصبر عن المعصية؛ وعلى الأقدار المؤلمة؛ وعلى الطاعة؛ والترتيب فيها للانتقال من الأسهل إلى الأشد.
ثواب المتحلي بالصفات السابقة:
قال الله- تعالى-: {أولئك الذين صدقوا} هذه شهادة من الله -عز وجل-؛ وهي أعلى شهادة؛ لأنها شهادة من أعظم شاهد -سبحانه وتعالى-؛ والمشار إليهم كل من اتصف بهذه الصفات؛ والإشارة بالبعيد لما هو قريب لأجل علو مرتبتهم. وقوله: {الذين صدقوا} أي صدقوا الله، وصدقوا عباده بوفائهم بالعهد، وإيتاء الزكاة، وغير ذلك.
قوله: {وأولئك هم المتقون} أي القائمون بالتقوى؛ و"التقوى"هي اتخاذ الوقاية من عذاب الله -عز وجل- بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ وهذا أجمع ما قيل في تعريف التقوى؛ وتأمل كيف جاءت هذه الجملة بالجملة الاسمية المؤكدة؛ الجملة اسمية لدلالتها على الثبوت، والاستمرار؛ لأن الجملة الاسمية تدل على أنها صفة ملازمة للمتصف بها. وقوله: {وأولئك هم المتقون} هؤلاء جمعوا بين البر والتقوى؛ البر: بالصدق؛ والتقوى: بهذا الوصف: {أولئك هم المتقون} ؛ وإنما قلنا: إن الصدق بر؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر؛ وإن البر يهدي إلى الجنة"4؛ فجمعوا بين البر والتقوى؛ فهذا ما أمر الله به في قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} سورة المائدة2.
فائدة:
العهود عهدان: