فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 9994

1.عهد مع الله-عز وجل-؛ وعهد مع الخلق. فالعهد الذي مع الله بيّنه في آيات كثيرة، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} سورة الأعراف172، وقوله: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ} سورة المائدة12، وقوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} سورة البقرة40؛ فالعهد الذي عهد الله به إلينا أن نؤمن به ربًا، فنرضى بشريعته؛ بل بأحكامه الكونية، والشرعية؛ هذا العهد الذي بيننا، وبين ربنا.

2.العهد الذي بيننا، وبين الناس فأنواعه كثيرة جدًا غير محصورة؛ منها العقود، مثل عقد البيع، وعقد الإجارة، وعقد الرهن، وعقد النكاح، وغير ذلك؛ لأنك إذا عقدت مع إنسان التزمت بما يقتضيه ذلك العقد؛ إذًا فكل عقد فهو عهد؛ ولهذا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} سورة المائدة 1، وقال تعالى: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا} سورة الإسراء34؛ ومن العهود بين الخلق؛ ما يجري بين المسلمين وبين الكفار؛ وهو ثلاثة أنواع: مؤبد؛ ومقيد؛ ومطلق؛ فأما المؤبد فلا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى إبطال الجهاد؛ وأما المقيد فبحسب الحاجة- وإن طالت المدة على القول الراجح-؛ لأنه عهد دعت إليه الحاجة؛ فيتقيد بقدرها؛ وقيل: لا تجوز الزيادة فيه على عشرة سنوات؛ لأن الأصل وجوب قتال الكفار، وأبيح العهد في عشر سنوات تأسيًا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية؛ والصحيح الأول؛ ويجاب عن عهد الحديبية بأن الحادثة لا تقتضي الزيادة؛ وأما المطلق فهو الذي لم يؤبد، ولم يحدد؛ وهو جائز على القول الراجح عند الحاجة إليه؛ فمتى وجد المسلمون الحاجة إليه عقدوه؛ وإذا زالت الحاجة عاملوا الكفار بما تقتضيه الحال؛ ولا حجة للكفار فيه؛ لأنه مطلق. والمعاهدون من الكفار لهم ثلاث حالات؛ الحال الأولى: أن يستقيموا لنا؛ الحالة الثانية: أن يخونوا؛ الحال الثالثة: أن نخاف منهم الخيانة؛ فإن استقاموا لنا وجب علينا أن نستقيم لهم؛ ولا يمكن أن نخون أبدًا؛ لقوله تعالى: {فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ} سورة التوبة7؛ وإن خانوا انقض عهدهم، ووجب قتالهم؛ لقوله تعالى: {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ} سورة التوبة12؛ وإن خفنا منهم الخيانة وجب أن ننبذ إليهم عهدهم على سواء؛ لقوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء} سورة الأنفال58، نخبرهم أن لا عهد بيننا ليكونوا على بصيرة.

بعض فوائد الآيات:

1.أن البر حقيقة هو ما أجمل في هذه الآية من الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله،... إلخ.

2.أن هذه الآية قد تضمنت جل قواعد وأصول الدين العامة؛ فتضمنت ذكر جُل أركان الإيمان من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، ويدخل فيه ما يكون بعد الموت؛ كفتنة القبر، ونعيمه، وعذابه، وقيام الساعة، والبعث، والحساب، والصراط، والميزان، وأخذ الكتاب باليمين، أو الشمال، والجنة، وما ذُكر من نعيمها، والنار، وما ذكر من عذابها، وغير ذلك مما جاء في الكتاب، والسنة عن هذه الأمور مفصلًا أحيانًا، ومجملًا أحيانًا.، وتضمنت ذكر بعض أركان الإسلام، من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة للمستحقين لها، وتضمنت الإشارة أعمال الجوارح؛ كالوفاء بالعهود، وتضمنت الإشارة إلى أعمال الجوارح كالصَّبرِ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ.

3.أن الله -سبحانه- دائمًا ما يقرن ذكر الإيمان به مع الإيمان باليوم الآخر، وذلك في كثير من الآيات والأحاديث، ففي هذه الآية قدم الإيمان باليوم الآخر على الإيمان الملائكة والكتب والرسل..، وفي الأحاديث مثلًا عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"5. ومثل هذا كثير في السنة.

4.أن إعطاء المال على حبه من البر؛ وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به، وقال: إن الله يقول: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} سورة آل عمران92.

5.أن إعطاء ذوي القربى أولى من إعطاء اليتامى، والمساكين؛ لأن الله بدأ بهم، فقال تعالى: {وآتى المال على حبه ذوي القربى} .

6.أن لليتامى حقًا؛ لأن الله امتدح من آتاهم المال؛ فقال تعالى: {واليتامى} سواء كانوا فقراء، أم أغنياء.

7.أن إعتاق الرقاب من البر؛ لقوله: {وفي الرقاب} ؛ والمال المبذول في الرقاب لا يعطى الرقبة؛ وإنما يعطى مالك الرقبة؛ فلهذا أتى بـ {في} الدالة على الظرفية.

8.أن إقامة الصلاة على وجهها المطلوب شرعًا، وإيتاء الزكاة إلى مستحقيها من البر.

9.الثناء على الموفين بالعهد، وأن الوفاء به من أعمال البر؛ والعهد عهدان: عهد مع الله- عز وجل-؛ وعهد مع الخلق، وقد سبق بيان ذلك.

10.أن ما ذُكر هو حقيقة الصدق مع الله، ومع الخلق؛ لقوله: {أولئك الذين صدقوا} ؛ فصدقهم مع الله، حيث قاموا بهذه الاعتقادات النافعة: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين؛ وأنهم أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وبذلوا المحبوب في هذه الجهات؛ وأما صدقهم مع الخلق يدخل في قوله تعالى: {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} ؛ وهذا من علامات الصدق؛ ولهذا قال تعالى: {أولئك الذين صدقوا} ؛ فصدقوا في اعتقاداتهم، وفي معاملاتهم مع الله، ومع الخلق6. والله أعلم.

1-أخرجه مسلم.

2 -أخرجه مسلم.

3 -أخرجه البخاري ومسلم.

4 -أخرجه البخاري ومسلم، واللفظ له.

5 -رواه البخاري ومسلم.

6-انظر:"جامع البيان في تأويل القرآن"لمحمد بن جرير الطبري (2/124- 134) . ط: درا الإعلام + دار ابن حزم. الطبعة الأولى (1423هـ - 2002م) . و"الجامع لأحكام القرآن"للقرطبي (2/237- 244) . الطبعة الثانية."تفسير القرآن العظيم"للحافظ ابن كثير (1/193- 195) . ط: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع (1424هـ- 2004م) . و"فتح القدير"للشوكاني (1/266- 269) . المكتبة التجارية. مصطفى أحمد الباز. مكة المكرمة. الطبعة الثانية. و"تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"لابن سعدي (1/136- 139) . طبع ونشر وتوزيع دار المدني بجدة. (148هـ) . و"أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير"لأبي بكر الجزائري (1/152- 154) . الطبعة الأولى الخاصة بالمؤلف (1414هـ) . و"تفسير ابن عثيمين"المجلد الثاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت