فهرس الكتاب

الصفحة 3625 من 9994

روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أيها الناس ، اسمعوا واعقلوا واعلموا أن لله عز وجل عباداً ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء على منازلهم ، وقربهم من الله ، فجثا رجل من الأعراب من قاصية الناس وألوى بيده إلى الني صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ناسٌ من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء ، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم ، وقربهم من الله انعتهم لنا ، فسُرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بسؤال الأعرابي فقال: هم ناس من أفناء الناس ونوازع القبائل لم تصل بينهم أرحام متقاربة تحابُّوا في الله وتصافوا يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسون عليها ، فيجعل وجوههم نوراً ، وثيابهم نوراً ، يفزع الناس يوم القيامة وهم لا يفزعون وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ).

وفي الحديث القدسي: (( وجبت محبتي للمتحابين فيَّ وللمتجالسين فيَّ وللمتزاورين فيَّ وللمتباذلين فيَّ ) ).

[أخرجه الإمام أحمد في مسنده والطبراني في الكبير ]

وفي حديث آخر:

(( المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء ) ).

[أخرجه الترمذي في كتاب الزهد 2390 ، وقال حسن صحيح]

وروى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) )، وفي رواية: (( وحتى يكره له ما يكره لنفسه ) )، فالمراد بأحدكم في الحديث: كل المسلمين في كل العصور ، وكل الأمصار ، لرواية أخرى تقول: (( لا يؤمن أحدٌ أو عبدٌ ) )، وإن كان بهذه الصيغة خاصاً بالمشافهين ، الذين عاصروا النبي ، والمراد بالأخ في الحديث من له أخوة الإسلام مطلقاً .. كما ورد في بعض الروايات: (( لأخيه المسلم ) )، فالمسمون على اختلاف شعوبهم ، وقبائلهم، وديارهم ، وألسنتهم ، وألوانهم هم أسرة واحدة ، قال تعالى:

[سورة الحجرات]

ويستفاد من كلمة إخوة التي تعني أخوة النسب أن أخوة الإيمان أعلى درجات الأخوة، ويستفاد من كلمة إنما أن الأخوة الحقة قاصرة على المؤمنين ، وكل علاقة أخرى لا تقوم على الإيمان ، علاقة أساسها المنافع تدوم بدوامها ، وتزول بزوالها ، وفي رواية للنسائي: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، من الخير ) )، وهذه الكلمة: (( من الخير ) )قيد لا بد منه ، لأن من كان يحب لنفسه شيئاً من المشتهيات المحرمة ، ليس من الإيمان أن يحب لأخيه مثلها ، فالمراد (( بالخير ) )في الحديث ما هو خير شرعاً ، والخير الشرعي يتناول الحظوظ الأخروية كلها ، كالعلم النافع ، والعمل الصالح ، والعبادة الخالصة ، والعاقبة الحُسنى .. ولا يتناول من حظوظ الدنيا إلا ما كان مباحاً غير مذموم ، كسعة الرزق من الحلال ، ونجابة الأولاد ، وطول العمر ، والسلامة من المكاره.

رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان معتكفاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاه رجل فسلم عليه ، ثم جلس فقال له ابن عباس: يا فلان ، أراك مكتئبا حزيناً؟ قال: نعم ، يا ابن عم رسول الله ؛ لفلان عليَّ حق ولاءٍ ، وحرمةِ صاحب هذا القبر ما أقدر عليه .. قال ابن عباس: ألا أكلمه فيك ؟ قال: إن أحببت ، قال: فانتعل ابن عباس ، ثم خرج من المسجد ، فقال له رجل: أنسيت أنك معتكف ؟ قال: لا ولكني سمعت صاحب هذا القبر ، والعهد به قريب ، فدمعت عيناه ، وهو يقول: (( من مشى في حاجة أخيه ، وبلغ فيها كان خيراً له من اعتكاف عشر سنين ، ومن اعتكف يوماً ابتغاء وجه الله تعالى جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق ، كل خندق أبعد ما بين الخافقين ) ).

[ورد في كنز العمال 24019 ،ورواه الخطيب وقال غريب ورواه الطبراني في الكبير ورواه الحاكم]

وفي الحديث: (( لأن أمشي مع أخٍ لي في حاجة ، خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا ) ).

[أورده السيوطي في الجامع الصغير ]

ومن ثمار المحبة بين المؤمنين إذاً ، التراحم ، والتعاون ، والتضامن ، والتكافل ، والمؤاثرة ، فقد أمر الله المؤمنين بالتعاون فيما بينهم ، إلا أنه قيد التعاون بأن يكون تعاوناً على البر والتقوى ، لا تعاوناً على الإثم والعدوان .. قال تعالى:

[سورة المائدة ]

قال علماء التفسير: التعاون على البر هو التعاون على صلاح الدنيا ، والتعاون على التقوى هو التعاون على صلاح الآخرة ، وفي الدعاء النبوي الشريف: (( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ) ).

[أخرجه مسلم]

فمن التعاون: التناجي بين المؤمنين في صلاح دنياهم وآخرتهم ، والمشاركة في إبداء الآراء ، وتوضيح الحقائق ، وتشخيص المشكلات ، والبحث عن الحلول ، وتذليل العقبات ، فليس من سمات المؤمن الصادق الفردية والانعزالية والسلبية ، والهروب من حلِّ المشكلات ، قال تعالى:

[سورة المجادلة]

لذلك تُعدُّ الشورى من مظاهر التعاون الفكري ، أمر بها رسوله فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت