فهرس الكتاب

الصفحة 3644 من 9994

ومضى على ذلك أتباع التابعين وأئمة المسلمين مستنين بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم مقتدين بآثار سلفهم، هذا وهم يرون سائر الأمم المحيطة بهم من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين وغيرهم يحتفلون بأيام خاصة، منها ما توارثوه ممن سبقهم، ومنها ما أحدثوه هم من أعياد ومواسم بحسب ما تجدد لهم من أمور وأحداث دينية ودنيوية، فلم يلتفت المسلمون إلى ذلك، ولم يقل أحد منهم: إنَّا أحق بالاحتفال بالأيام والمناسبات الإسلامية التي نصر الله فيها الحق وأهله ودحر الباطل وأهله كيوم بدر مثلاً أو الخندق أو الفتح أو القادسية أو اليرموك أو غيرها، مع أن منها ما امتن الله به على المؤمنين في كتابه كما في سور الأنفال والتوبة والأحزاب والفتح وغيرها. ولم يحتفلوا كذلك بذكرى فتوح البلدان المشهورة كفتح مصر والشام والعراق وما وراء النهر مع قوة الداعي إلى ذلك، ولا اجترأ الخلفاء والملوك والأمراء أن يحتفلوا بأيام المسلمين أو أيامهم الخاصة بهم، وإنما حدث ذلك حين تولى العبيديون الذين سموا أنفسهم بالفاطميين.

بدعة الاحتفال بالمولد النبوي:

لعل أول من يعزى إليه إحداث الأعياد والاحتفالات عامة والموالد خاصة هم العبيديون، قال المقريزي:"كان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم، وهي موسم رأس السنة، وموسم أول العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبي صلى الله عليه وسلم، ومولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومولد الحسن، ومولد الحسين عليهما السلام، ومولد فاطمة الزهراء عليها السلام، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة أول رجب، وليلة نصفه، وليلة أول شعبان، وليلة نصفه، وموسم ليلة رمضان، وغرة رمضان، وسماط رمضان، وليلة الختم، وموسم عيد الفطر، وموسم عيد النحر، وعيد الغدير، وكسوة الشتاء، وكسوة الصيف، وموسم فتح الخليج، ويوم النوروز، ويوم الغطاس، ويوم الميلاد، وخميس العدس، وأيام الركوبات" ( [31] ) . وذكر بعض ما يفعل في تلك الاحتفالات والأعياد خاصة الموالد الستة.

وذكر الشيخ محمد بخيث المطيعي ـ مفتي الديار المصرية سابقاً ـ أن أولَ من أحدث تلك الاحتفالات بالموالد الستة ـ أي: مولد النبي صلى الله عليه وسلم ومولد علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم ومولد الخليفة الحاضر ـ هو المعز لدين الله وذلك في سنة 362هـ، وأن هذه الاحتفالات بقيت إلى أن أبطلها الأفضل بن أمير الجيوش بعد ذلك.

وكذا قال الشيخ علي محفوظ ( [32] ) والأستاذ علي فكري ( [33] ) وغيرهم ذكروا أن العبيديين هم أول من أحدث هذه الأعياد والاحتفالات.

من العبيديون؟

قال ابن كثير رحمه الله تعالى:"وقد كانت مدة ملك الفاطميين مائتين وثمانين سنة وكسراً، فصاروا كأمس الذاهب كأن لم يغنوا فيها."

وكان أول من ملك منهم المهدي، وكان من سلمية حداداً، وكان يهودياً فدخل بلاد المغرب وتسمى بعبيد الله، وادعى أنه شريف علوي فاطمي، وقال عن نفسه: إنه المهدي، وقد راج لهذا الدعي الكذاب ما افتراه في تلك البلاد، ووازره جماعة من الجهلة وصارت له دولة وصولة، ثم تمكن إلى أن بنى مدينة سماها المهدية نسبة إليه، وصار ملكاً مطاعاً يظهر الرفض وينطوي على الكفر المحض.

ثم كان من بعده ابنه القائم محمد، ثم ابنه المنصور إسماعيل، ثم ابنه المعز معد وهو أول من دخل ديار مصر منهم وبنيت له القاهرة المعزية والقصران، ثم ابنه العزيز نزار، ثم ابنه الحاكم منصور، ثم ابنه الطاهر علي، ثم ابنه المستنصر معد، ثم ابنه المستعلي أحمد، ثم ابنه الآمر منصور، ثم ابن عمه الحافظ عبد المجيد، ثم ابنه الظافر إسماعيل، ثم الفائز عيسى، ثم ابن عمه العاضد عبد الله وهو آخرهم، فجملتهم أربعة عشر ملكاً، ومدتهم مائتان ونيف وثمانون سنة.

وقد كان الفاطميون من أغنى الخلفاء وأكثرهم مالاً، وأجبرهم وأظلمهم، وأنجس الملوك سيرة وأخبثهم سريرة، ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات، وكثر أهل الفساد وقل عندهم الصالحون من العلماء والعباد، وكثر بأرض الشام النصرانية والدرزية والحشيشية" ( [34] ) ."

سلطان إربل وإحياء الموالد:

وكان بالموصل رجل من الزهاد هو الشيخ عمر بن محمد الملا، وكانت له زاوية يقصد فيها، وله في كل سنة دعوة في شهر المولد يحضر فيها عنده الملوك والأمراء والعلماء والوزراء ويحتفل بذلك ( [35] ) .

قال أبو شامة في معرض كلامه عن الاحتفال بالمولد النبوي:"وكان أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين، وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل وغيره رحمهم الله تعالى" ( [36] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت