فهرس الكتاب

الصفحة 3645 من 9994

وصاحب إربل هذا هو المظفر أبو سعيد كوكبري بن زيد الدين علي بن تبكتكين سلطان إربل المتوفى سنة 630هـ، وهو أشهر من بالغ في الاحتفال بالمولد النبوي بعد العبيديين، فكان يعمل لذلك احتفالاً هائلاً كما ذكر ابن كثير في تاريخه وقال:"قال السبط: حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد كان يمد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى. قال: وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية، فيخلع عليهم ويطلق لهم ويعمل للصوفية سماعاً من الظهر إلى الفجر ويرقص بنفسه معهم... ـ إلى أن قال: ـ وكان يصرف على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار" ( [37] ) .

وقال الشيخ علي محفوظ:"وأول من أحدث المولد النبوي بمدينة إربل الملك المظفر أبو سعيد في القرن السابع، وقد استمر العمل بالموالد إلى يومنا هذا، وتوسع الناس فيها، وابتدعوا بكل ما تهواه أنفسهم وتوحيه إليهم شياطين الإنس والجن، ولا نزاع في أنها من البدع، إنما النزاع في حسنها وقبحها" ( [38] ) .

فتبين مما سبق أن الاحتفال بالموالد ونحوها هو من ابتداع العبيديين، ثم تابعهم عليها غيرهم من الزهاد والملوك وقلدهم في ذلك العوام، وقد علمت أن هذا كله مخالف لدلالات النصوص الشرعية ولعمل سلف هذه الأمة في القرون المفضلة.

ويدخل في ذلك كل الاحتفالات والأعياد المحدثة سواء كانت متعلقة بمناسبات دينية كذكرى المولد النبوي أو الإسراء والمعراج أو الهجرة أو الغزوات والفتوحات، أم تعلقت بغيرها من المناسبات كالأعياد الوطنية ونحوها، فكلها داخل في النهي، ويعظم خطرها ونكارتها إذا عرف أنها مأخوذة من أعياد الكفار، كأعياد اليوبيل بأنواعه: الفضي والذهبي والماسي ( [39] ) .

المسألة الثالثة: من شبه المخالفين:

ومن شبه المخالفين في هذه الأعياد ما يلي:

الشبهة الأولى: إن هذه ليست أعياداً وإنما هي احتفالات أو مناسبات وذكريات فقط، بخلاف الأعياد التي يشرع فيها ذكر معين وصلاة معينة ونحو ذلك.

والجواب: إن هذا الذي ذكرتموه من الاحتفالات أو الذكريات المتكررة في الأعوام أو الشهور أو غير ذلك هو معنى العيد، إذ العيد ـ كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله ـ هو اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائد إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو نحو ذلك.

وقال:"فالعيد يجمع أموراً: منها يوم عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة، ومنها اجتماع فيه، ومنها أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات" ( [40] ) .

فيقال للمحتفلين بالمولد النبوي والإسراء والمعراج ونحو ذلك: ألستم تجتمعون في كل عام لهذا الغرض وتحتفلون به وتعملون لذلك برنامجاً خاصاً وتقيمون لذلك عادة ولائم خاصة بهذه المناسبة؟! ويقال للمحتفلين بالأعياد المدنية أو الوطنية أو اليوبيل: ألستم تفعلون نحو ذلك؟! فهذا هو العيد سواء سميتموه به أو بغيره فالعبرة بالحقائق والمسميات، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ) ) ( [41] ) .

تنبيه: هناك فرق بين هذا الاحتفال الذي يعود ويتكرر وبين أن تحدث نعمة للمرء فيفرح لها ويصنع وليمة يدعو لها الناس فإن هذا ليس عيداً، بل هو من المباحات ما لم يشتمل على شيء من الأمور التي تخرجه إلى المكروه أو المحرم. ولو قدر أن هذا الشخص أعاد الاحتفال بمناسبة تلك النعمة أعواماً أخرى فإن هذا يصيره عيداً ويدخله في حكم المحدثات من الأعياد والاحتفالات.

وليس ذلك مختصاً بالنعم بل حتى الذي يفعله بعض الناس من الاحتفال بذكرى الأحزان، فيجتمعون لذلك بمناسبة مرور عام أو أكثر، كما يفعل هذا بعض المسلمين في فلسطين أو غيرها في تظاهراتهم بمناسبة ذكرى الاحتلال فهو داخل في مسمى العيد ( [42] ) وفيه تشبه بالكفار وإن لم يصحبه فرح وولائم ونحو ذلك مما يفعل في الأعياد عادة.

الشبهة الثانية: إن هذه الاحتفالات بمناسبة ولادة ذلك المعظم من نبي أو صالح أو ملك أو غيرهم أو بمناسبة إنشاء كلية أو مصنع أو غيره لا يقصد فيها التشبه، بل هي من العادات التي الأصل فيها الحل.

والجواب من وجوه:

الوجه الأول: أن هذه الاحتفالات المذكورة وما شابهها مأخوذة من الكفار إما من الكتابيين أو من غيرهم كما يعلم بالاستقراء، فالاحتفال بالمناسبات الدينية أصله مأخوذ من النصارى واليهود فقد أحدثوا من ذلك الشيء الكثير فمن أعياد النصارى المشهورة: عيد مولد المسيح ورأس السنة الميلادية والمائدة إحياءً لذكرى المائدة المنزلة من السماء ( [43] ) ، والجامع لهذه الأعياد هو الذكرى بمناسبة دينية.

واليوبيل عيد مأخوذ من اليهود، وهو عيد نزول الوصايا العشر على موسى عليه السلام فوق جبل سيناء ( [44] ) .

ومثل ذلك الأعياد المدنية فهي من سنن اليهود والنصارى، ومنها عيد الثورة وعيد العمال وعيد الأم وعيد البنوك وعيد المرأة ويوم الشجرة وأسبوع النظافة ويوم الصحة العالمية ويوم الطفل… الخ ( [45] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت