فهرس الكتاب

الصفحة 3646 من 9994

وإن قدر أن هناك عيداً أحدثه المسلمون، لم يسبقهم إلى إحداثه الكفار، فإن هذا لا ينفي التشبه بهم لأن إحداث الأعياد إحياءً لذكرى معينة فرحاً بها أو حزناً عليها هو من سنن اليهود والنصارى، يدلك على ذلك ما رواه البخاري ومسلم أن يهودياً قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا نزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيداً! قال: فأي آية؟ قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِيناً} [المائدة:3] ( [46] ) .

الوجه الثاني: أن التشبه بهم لا يشترط فيه أن يقصد إلى الفعل من أجل أنهم فعلوه، بل يكفي أن يكون هذا الأمر مما اختصوا به وهو مأخوذ عنهم.

قال شيخ الإسلام رحمه الله:"والتشبه يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه، وهو نادر، ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك إذا كان أصل الفعل مأخوذاً عن ذلك الغير. فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضاً ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه ففي كون هذا تشبهاً نظر، لكن قد ينهى عن هذا لئلا يكون ذريعة إلى التشبه، ولما فيه من المخالفة كما أمر بصبغ اللحى وإحفاء الشوارب مع أن قوله صلى الله عليه وسلم: (( غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ) )دليل على أن التشبه بهم يحصل بغير قصد منا ولا فعل، بل بمجرد ترك تغيير ما خلق فينا، وهذا أبلغ من الموافقة الفعلية الاتفاقية" ( [47] ) .

الوجه الثالث: أنه لو قدر أن هذا الاحتفال ليس فيه تشبه بهم ولا هو ذريعة إليه فإن قصد مخالفتهم مطلوب مرغب فيه والأدلة على ذلك كثيرة.

منها: الأمر بمخالفتهم في صيام عاشوراء بأن يضاف إليه التاسع كما صح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ( [48] ) .

قال شيخ الإسلام رحمه الله:"فتدبر هذا، يوم عاشوراء يوم فاضل يكفر سنة ماضية، صامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه ورغب فيه، ثم لما قيل له قبيل وفاته: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى!! أمر بمخالفتهم بضم يوم آخر إليه، وعزم على ذلك" ( [49] ) .

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (( خالفوا المشركين ) (( خالفوا اليهود والنصارى ) )في مسائل عدة، كتغيير الشيب، ولباس النعال في الصلاة وإعفاء اللحى وحف الشوارب واتخاذ القصة من الشعر وحلق القفا وتعجيل الفطور وغير ذلك من العادات والعبادات، فهذا يدل على أن مخالفتهم مطلوبة.

قال شيخ الإسلام رحمه الله:"قد بالغ صلى الله عليه وسلم في أمر أمته بمخالفتهم في كثير من المباحات وصفات الطاعات لئلا يكون ذلك ذريعة إلى موافقتهم في غير ذلك من أمورهم، ولتكون المخالفة في ذلك حاجزاً ومانعاً عن سائر أمورهم، فإنه كلما كثرت المخالفة بينك وبين أصحاب الجحيم كان أبعد عن أعمال أهل الجحيم" ( [50] ) .

وقال:"إن نفس المخالفة لهم في الهدي الظاهر مصلحة ومنفعة لعباد الله المؤمنين لما في مخالفتهم من المجانبة والمباينة التي توجب المباعدة عن أعمال أهل الجحيم، وإنما يظهر بعض المصلحة في ذلك لمن تنور قلبه" ( [51] ) .

وقال:"فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة، والمشاركة في الهدي الظاهر توجب مناسبة وائتلافاً وإن بعد المكان والزمان، وهذا أمر محسوس. فمشابهتهم في أعيادهم ولو بالقليل هو سبب لنوع ما من اكتساب أخلاقهم التي هي ملعونة" ( [52] ) .

وقال:"حتى لو كان موافقتهم في ذلك أمراً اتفاقياً ليس مأخوذاً عنهم لكان المشروع لنا مخالفتهم لما في مخالفتهم من المصلحة كما تقدمت الإشارة إليه، فمن وافقهم فوت علىنفسه هذه المصلحة وإن لم يكن أتى بمفسدة فكيف إذا جمعهما؟!" ( [53] ) .

المسألة الرابعة: الأعياد المكانية:

ولا تختص الأعياد بالزمان بل تشمل المكان أيضاً، وقد دل على ذلك الحديث المتقدم في الرجل الذي نذر أن ينحر إبلاً بمكان اسمه: بوانة، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: (( هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ ) )وهذا صريح في أن العيد يطلق على المكان أيضاً.

وقد كان للجاهلية أعياد مكانية مشهورة يحجون إليها ويعظمونها وينتابونها في أيام معلومة ومنها: اللات لأهل الطائف، والعزى لأهل مكة، ومناة لأهل المدينة، وذو الخلصة لأهل اليمن، فكانوا يشدون إليها الرحال ويقيمون عندها أعيادهم ( [54] ) .

وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا تجعلوا قبري عيداً ) )الحديث ( [55] ) .

قال شيخ الإسلام:"والعيد إذا جعل اسماً للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة عنده أو لغير العبادة كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة جعلها الله عيداً مثابة للناس يجتمعون فيها وينتابونها للدعاء والذكر والنسك. وكان للمشركين أمكنة ينتابونها للاجتماع عندها، فلما جاء الإسلام محا الله ذلك كله، وهذا النوع من الأمكنة يدخل فيه قبور الأنبياء والصالحين وسائر القبور" ( [56] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت