فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعيين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإنَّ الله-عز وجل- قد حذر من الاختلاف في القرآن والتنازع فيه، أو ضرب بعضه ببعض؛ فقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} سورة البقرة (176) . وأخبر أنَّ الاختلاف فيه لدليل زيغ في قلوب المختلفين فيه، فقال تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ} سورة آل عمران (7) . والاختلاف في القرآن يشمل الاختلاف في أصله؛ فمنهم من آمن؛ ومنهم من كفر، ويدخل في الاختلافَ فيه تأويله تأويلًا باطلًا، أو الزعم أن ظاهره غير مراد، وما أشبه ذلك.
الآيات:
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} سورة البقرة:175-176.
شرح الآيات:
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ} أي يخفون؛ {من الكتاب} "أل"إما أن تكون للعهد؛ أو للجنس؛ فإن قلنا:"للعهد"فالمراد بها التوراة؛ ويكون المراد بـ {الذين يكتمون} اليهود؛ لأنهم كتموا ما علموه من صفات النبي صلى الله عليه وسلم؛ وإن قلنا: إن"أل"للجنس، شمل جميع الكتب: التوراة، والإنجيل، وغيرها؛ ويكون {الذين يكتمون} يشمل اليهود، والنصارى، وغيرهما؛ وهذا أرجح لعمومه. وقوله: {ما أنزل الله من الكتاب} أي على رسله؛ فإن الله-سبحانه وتعالى- يقول: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب} سورة الحديد: (25) ؛ فكل رسول فإن معه كتابًا من الله -عز وجل- يهدي به الناس. قوله: {ويشترون به} يعني يأخذون بما أنزل الله؛ ويجوز أن يكون الضمير عائدًا على الكتم؛ يعني يأخذون بهذا الكتم. قوله: {ثمنًا قليلًا} هذا الثمن إما المال؛ وإما الجاه، والرياسة؛ وكلاهما قليل بالنسبة لما في الآخرة. قوله: {أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار} الاستثناء هنا مفرغ؛ والإشارة للبعيد لبعد مرتبتهم، وانحطاطها، والتنفير منها. قوله: {ولا يكلمهم الله يوم القيامة} يعني لا يكلمهم تكليم رضا؛ فالنفي هنا ليس نفيًا لمطلق الكلام؛ ولكنه للكلام المطلق - الذي هو كلام الرضا؛ {ولا يزكيهم} أي لا يثني عليهم بخير. قوله: {ولهم عذاب أليم} ؛"فعيل"هنا بمعنى مفعِل؛ و"مؤلم"أي موجع؛ والعذاب هو النكال، والعقوبة.
قوله: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} المشار إليهم: {الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلًا} سورة البقرة(174؛ و {اشتروا} بمعنى اختاروا؛ ولكنه عبر بهذا؛ لأن المشتري طالب راغب في السلعة؛ فكأن هؤلاء -والعياذ بالله- طالبون راغبون في الضلالة بمنزلة المشتري؛ و {الضلالة} هنا كتمان العلم؛ فإنه ضلال؛ وأما"الهدى"فهو بيان العلم ونشره. وقوله: {بالهدى} الباء هنا للعوض؛ ويقول الفقهاء: إن ما دخلت عليه الباء هو الثمن؛ سواء كان نقدًا، أم عينًا غير نقد؛ فإذا قلت: اشتريت منك دينارًا بثوب، فالثمن الثوب؛ وقال بعض الفقهاء: الثمن هو النقد مطلقًا؛ والصحيح الأول؛ والثمن الذي دفعه هؤلاء هو الهدى؛ فهم دفعوا الهدى -والعياذ بالله- لأخذ الضلالة. قوله: {والعذاب بالمغفرة} فهم أيضًا اشتروا العذاب بالمغفرة؛ ولو أنهم بينوا، وأظهروا العلم لَجُوزوا بالمغفرة؛ ولكنهم كتموا، فجُوزوا بالعذاب.
قوله: {فما أصبرهم على النار} ؛"ما"تعجبية مبتدأ؛ وجملة: {أصبرهم} خبرها؛ والمعنى: شيء عظيم أصبرهم؛ أو ما أعظم صبرهم على النار. فيقتضي أنهم يصبرون، ويتحملون مع أنهم لا يتحملون، ولا يطيقون.
قوله: {ذلك بأن الله نزل الكتاب} المشار إليه ما ذكر من جزائهم؛ أي ذلك الجزاء الذي يجازون به؛ {بأن} الباء هنا للسببية؛ والرابط هنا بين السبب، والمسبَّب واضح جدًا؛ لأنه ما دام الكتاب نازلًا بالحق فمن اللائق بهذا الكتاب المنزل بالحق أن لا يُكتم؛ الحق يجب أن يبين؛ فلما أخفاه هؤلاء استحقوا هذا العذاب؛ ومعنى: {نزل الكتاب بالحق} أن ما نزل به حق، وأنه نازل من عند الله حقًا؛ و {الكتاب} المراد به الجنس: القرآن، والتوراة، والإنجيل، وغيرها من الكتب التي أنزلها الله.
قوله: {وإن الذين اختلفوا في الكتاب} أي اختلفوا في الكتاب الذي نزله الله -عز وجل- بحق؛ وهذا الاختلاف يشمل الاختلاف في أصله: فمنهم من آمن؛ ومنهم من كفر، والاختلافَ فيما بينهم أي فيما بين أحد الطرفين: فمنهم من استقام في تأويله؛ ومنهم من حرف في تأويله على غير مراد الله-سبحانه وتعالى-. قوله: {لفي شقاق بعيد} أي لفي جانب بعيد عن الحق.
فائدة:
قوله تعالى: {فما أصبرهم على النار} ؛"ما"تعجبية مبتدأ؛ وجملة {أصبرهم} خبرها وهذا التعجب يتوجه عليه سؤالان:
السؤال الأول: أهو تعجب من الله أم تعجيب منه؛ بمعنى: أيرشدنا إلى أن نتعجب - وليس هو موصوفًا بالعجب؛ أو أنه من الله -؟
السؤال الثاني: أن قوله: { فما أصبرهم } يقتضي أنهم يصبرون، ويتحملون مع أنهم لا يتحملون، ولا يطيقون؛ ولهذا يقولون لخزنة جهنم: {ادعوا ربكم يخفف عنا يومًا من العذاب} سورة غافر (49) ؛ وينادون: {يا مالك ليقض علينا ربك} سورة الزخرف (77) أي ليهلكنا؛ ومن قال هكذا فليس بصابر؟
والجواب عن السؤال الأول:- وهو أهو تعجب، أو تعجيب-: فقد اختلف فيه المفسرون؛ فمنهم من رأى أنه تعجب من الله عز وجل؛ لأنه المتكلم به هو الله؛ والكلام ينسب إلى من تكلم به؛ ولا مانع من ذلك لا عقلًا، ولا سمعًا - أي لا مانع يمنع من أن الله سبحانه وتعالى يعجب؛ وقد ثبت لله العجب بالكتاب، والسنة؛ فقال الله -تعالى- في القرآن: {بل عجبتُ ويسخرون} سورة الصافات (12) بضم التاء؛ وهذه القراءة سبعية ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ والتاء فاعل يعود على الله -سبحانه وتعالى- المتكلم؛ وأما السنة ففي الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه) 1؛ وعلى هذا فالعجب لله ثابت بالكتاب، والسنة؛ فلا مانع من أن الله يعجب من صبرهم؛ فإذا قال قائل: العجب يدل على أن المتعجب مباغَت بما تعجب منه؛ وهذا يستلزم أن لا يكون عالمًا بالأمر من قبل - وهو محال على الله -؟
فالجواب: أن هذا اللازم من قياس صفات البشر على صفات الخالق لأن التعجب بسبب المباغتة يكون في حقهم، وقياس صفات الخالق على صفات الخلق من جهل بالخالق.