فهرس الكتاب

الصفحة 366 من 9994

وأيضًا فإن التعجب لا يختص بما ذكر؛ بل ربما يكون سببه الإنكار على الفاعل، حيث خرج عن نظائره، كما تقول: «عجبت من قوم جحدوا بآيات الله مع بيانها، وظهورها» ؛ وهو بهذا المعنى قريب من معنى التوبيخ، واللوم؛ ومن المفسرين من قال: إن المراد بالعجب: التعجيب؛ كأنه قال: أعجب أيها المخاطب من صبرهم على النار؛ وهذا وإن كان له وجه لكنه خلاف ظاهر الآية.

وأما الجواب عن السؤال الثاني:- وهو كيف يتعجب من صبرهم مع أنهم لم يصبروا على النار - فقال أهل العلم: إنهم لما صبروا على ما كان سببًا لها من كتمان العلم صاروا كأنهم صبروا عليها، مثلما يقال للرجل الذي يفعل أشياء ينتقد فيها: ما أصبرك على لوم الناس لك مع أنه ربما لم يلوموه أصلًا؛ لكن فعل ما يقتضي اللوم؛ يصير معنى: {ما أصبرهم على النار} أنهم لما كانوا يفعلون هذه الأفعال الموجبة للنار صاروا كأنهم يصبرون على النار؛ لأن الجزاء من جنس العمل، كما تفيده الآيات الكثيرة، فيعبر بالعمل عن الجزاء؛ لأنه سببه المترتب عليه؛ و {النار} هي الدار التي أعدها الله -سبحانه وتعالى- للكافرين والظالمين؛ لكن الظلم إن كان ظلم الكفر فهم مخلدون فيها؛ وإن كان ظلمًا دون الكفر فإنهم مستحقون للعذاب بحسب حالهم.

بعض فوائد الآيات:

1.أن يوم القيامة يُزَكى فيه الإنسان؛ وذلك بالثناء القولي والفعلي؛ فإن الله يقول لعبده المؤمن حين يقرره بذنوبه: (سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) 2. وأما الفعلي فإن علامة الثناء أنه يعطى كتابه بيمينه، ويَشهد الناسُ كلهم على أنه من المؤمنين؛ وهذه تزكية بلا شك.

2.أن عذاب هؤلاء الكافرين عذاب مؤلم ألمًا نفسيًا، وألمًا جسمانيًا؛ فأما الألم النفسي فدليله قوله تعالى: {قال اخسئوا فيها ولا تكلمون} ؛ فهذا من أبلغ ما يكون من الإذلال الذي به الألم النفسي؛ وأما الألم البدني فدليله قول الله -تعالى-: {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزًا حكيمًا} سورة النساء (56) ، وقوله تعالى: {وسقوا ماءً حميمًا فقطع أمعاءهم} سورة محمد (15) ، وقوله تعالى: {يصب من فوق رؤوسهم الحميم ( ) يصهر به ما في بطونهم والجلود ( ) ولهم مقامع من حديد ( ) كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق} سورة الحجر (21، 22) .

3.تحذير علماء الإسلام من سلوك مسلك علماء أهل الكتاب بكتمانهم الحق وإفتاء الناس بالباطل للحصول على منافع مادية معينة.

4.التحذير من الاختلاف في القرآن الكريم لما يفضي إليه من العداء والشقاق البعيد بين المسلمين.

5.أن المختلفين في كتب الله لا يزالون في شقاق بعيد لا تتقارب أقوالهم، وإن تقاربت أبدانهم.

6.أن الاختلاف ليس رحمة؛ بل إنه شقاق، وبلاء؛ وبه نعرف أن ما يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (اختلاف أمتي رحمة) 3. لا صحة له؛ وليس الاختلاف برحمة؛ بل قال الله -سبحانه وتعالى-: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} سورة هود (118) أي فإنهم ليسوا مختلفين؛ نعم؛ الاختلاف رحمة بمعنى: أن من خالف الحق لاجتهاد فإنه مرحوم بعفو الله عنه؛ فالمجتهد من هذه الأمة إن أصاب فله أجران؛ وإن أخطأ فله أجر واحد؛ والخطأ معفو عنه؛ وأما أن يقال هكذا على الإطلاق: (إن الاختلاف رحمة) فهذا مقتضاه أن نسعى إلى الاختلاف؛ لأنه هو سبب الرحمة على مقتضى زعم هذا المروي!! فالصواب أن الاختلاف شر4.

والله نسأل أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا. والله أعلم.

1 -أخرجه أحمد وابن ماجة، كلاهما بلفظ (ضحك ربنا...) . وأما لفظ: (عجب ربنا) فقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية وقال: حديث حسن. وكذلك ابن كثير في تفسيره عند قوله -تعالى- في سورة البقرة: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ..} سورة البقرة (214) .

2 -رواه البخاري ومسلم.

3 -قال الألباني في السلسلة الضعيفة: لا أصل له، ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند، فلم يوفقوا (1/76) ، رقم (57) .

4-راجع:"جامع البيان في تأويل القرآن"لمحمد بن جرير الطبري (2/118- 124) . ط: درا الإعلام + دار ابن حزم. الطبعة الأولى (1423هـ - 2002م) . و"الجامع لأحكام القرآن"للقرطبي (2/234- 237) . الطبعة الثانية."تفسير القرآن العظيم"للحافظ ابن كثير (1/193) . ط: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع (1424هـ- 2004م) . و"فتح القدير"للشوكاني (1/264- 265) . المكتبة التجارية. مصطفى أحمد الباز. مكة المكرمة. الطبعة الثانية. و"تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"لابن سعدي (1/134- 135) . طبع ونشر وتوزيع دار المدني بجدة. (148هـ) . و"أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير"لأبي بكر الجزائري (1/149- 151) . الطبعة الأولى الخاصة بالمؤلف (1414هـ) . و"تفسير ابن عثيمين"المجلد الثاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت