عن النبي قال: (( بينما رجل يتبختر في بردين وقد أعجبته نفسه خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ) ).
وأما المنجيات فأولاها: (( العدل في الغضب والرضا ) ):
إن الله تعالى خلق السموات والأرض بالحق، وأنزل الكتاب بالحق والميزان، وأرسل رسله بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان، والميزان هو العدل، سمي العدل ميزانا لأن الميزان آلة الإنصاف والتسوية، والعدل يدعو إلى الألفة والمحبة، ويبعث على الطاعة، وبه تعمر البلاد، فيكثر النسل، ويأمن السلطان لحصول الأمن العام.
والرسول يأمر بالعدل في الغضب والرضا، وهذا كقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون [المائدة:8] .
ولقد ضرب الخلفاء الراشدون في ذلك المثل الأعلى: فقد جاء رجل إلى عمر ابن الخطاب يأخذ رزقه، وكان جنديا من جنود المسلمين، ولكنه كان في الجاهلية قد قتل أخاً لعمر، فلما رآه عمر أربد وجهه وقال له: يا هذا، إني لا أحبك حتى تحب الأرض الدم. فقال الرجل: أوَ مانعي ذلك عندك حقا من حقوق الله؟ فقال عمر: لا. قال الرجل: ما يضيرني بغضك، إنما يأسى على الحب النساء.
فقد عرف الرجل من ورع عمر ودينه أن شدّة غضبه وغيظه وحنقه عليه وكراهيته له لا يخرج به عن العدل إلى الظلم، فلما علم بعدله ووثق بدينه أمن من بطشه.
ويدخل في ذلك عدل الآباء مع الأبناء، فإن الحب والبغض ذو أثر عظيم في الجور والظلم، فكثيرا ما نسمع أن فلانا كتب ماله لولده فلان لأنه أحب أبنائه إليه، وكثيرا ما نسمع أن فلانة حرمت ابنها فلانا لأنها تبغضه وهذا ظلم عظيم يوبقها ويهلكها، ولا ينجيها من عذاب الله إلا العدل في الغضب والرضا.
عن عامر قال: (سمعت النعمان بن بشير رضي الله عنهما وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله فأتى رسول الله فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله. قال:(( أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ ) )قال: لا. قال: (( فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم ) ). قال: فرجع فردّ عطيته).
والثانية من المنجيات: (( القصد في الفقر والغنى ) )، وذلك من صفات المكرمين عباد الرحمن كما قال تعالى في وصفهم: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما [الفرقان:67] .
أي: ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق حاجتهم، ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم، ولا يكفونهم، بل عدلا خيارا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا، وكان بين ذلك قواما وهذا منهم تأدب بأدب الله وتعظيم لأمره، حيث قال سبحانه: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا [الإسراء:29] .
إن المسلم ليس حرا في إنفاق أمواله الخاصة يصرفها كيف يشاء، إنما هو مقيد بالتوسط في الأمرين الإسراف والتقتير، فالإسراف مفسدة للنفس والمال والمجتمع، والتقتير مثله حبس للمال عن انتفاع صاحبه به وانتفاع الجماعة من حوله، فالمال أداة اجتماعية لتحقيق خدمات اجتماعية والإسراف والتقتير يحدثان اختلالا في المحيط الاجتماعي والمجال الاقتصادي وحبس الأموال يحدث أزمات، ومثله إطلاقها بغير حساب، ذلك فوق فساد القلوب والأخلاق، والإسلام وهو ينظم هذا الجانب من الحياة يبدأ به من نفس الفرد فيجعل الاعتدال سمة من سمات الإيمان وكان بين ذلك قواما .
وثالثة المنجيات: (( خشية الله في السر والعلانية ) ).
وإنما قدّم السر لأن تقوى الله فيه أعلى درجة من العلن، لما يخاف من شوب رؤية الناس، وهذه درجة المراقبة إن الله كان عليكم رقيبا [النساء:1] .
وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه [يونس:61] .
فإذا كان الله رقيبا على العباد وجب على العباد أن يراقبوه، وهذه المراقبة تمنع العبد من ارتكاب المنهيات، وتحثه على فعل الواجبات.
ولا يزال العبد يجتهد في المراقبة حتى يعبد الله كأنه يراه، وهذا هو الإحسان، وهو أعلى درجات الدين، وهؤلاء لهم أجر عظيم، كما قال تعالى: إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير [الملك:12] .
وقد أمر الله تعالى نبيه أن يبشرهم بهذا الأجر فقال: إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم [يس:11] .
فيا عبد الله: اعلم أن الله ناظر إليك، ومطلع عليك، سميع لأقوالك، عليم بنياتك وأفعالك. فإذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب.
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفى عليه يغيب.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا خشيته في السر والعلانية.
أما الكفارات: فهي الخصال التي من شأنها أن تكفّر (أي تستر) الخطيئة وتمحوها. وأولاها: (( انتظار الصلاة بعد الصلاة ) ).
وقد جاء في فضل ذلك أحاديث كثيرة.