وهذه النار تمتلئ بالعصاة والكافرين: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلاَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ [ق:30] ، إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:98] . عن أبي هريرة قال: كنا مع رسول الله إذ سمع وجبة فقال النبي: (( أتدرون ما هذا، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها ) ) [7] .
وتحيط به النار من كل مكان، فلا يستطيعون الفرار أو الاختباء: لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر:16] ، لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ [الأنبياء:39] . وقال: (( إن أهون أهل النار عذابا من له فعلان وشراكان من نار يغلي منها دماغه كما يغلي المرجل(القدر) ما يرى أن أحدا أشد عذابا منها وإنه لأهونهم عذابا )) [8] وقال: (( منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه النار إلى حجرته ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته ) ) [9] . والحجزة: معقد الإزرار، والترقوة: العظم المشرف من النحر.
لقد صب عليهم العذاب صبا، وذاقوا مس سقر، وفي ذلك المكان المرعب المخيف ما لهم من ناصرين ولا صديق حميم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: هَاذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ % اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [يس:63-65] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونسأله ـ سبحانه ـ أن يصرف عنا عذاب جهنم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل من كل ذنب...
[1] صحيح البخاري: كتاب الرقاق - باب صفة الجنة والنار، حديث (6569) .
[2] أخرجه أحمد (5/265) ، والترمذي: كتاب صفة جهنم - باب ما جاء في صفة شراب أهل النار (2583) وقال: حديث غريب وهكذا قال محمد بن إسماعيل عن عبيد الله بن بسر، ولا نعرف عبيد الله بن سبر إلا في هذا الحديث، واأخرجه أيضاً الحاكم: كتاب التفسير - نورة إبراهيم (2/351) وصححه ولم يتعقبه الذهبي. ومدار إسناده على عبيد الله بن بُسر، وهو مجهول كما ذكر الترمذي، وكذا قال ابن حجر في التقريب (4278) ، وانظر ضعيف الترمذي (477) ، فالحديث ضعيف.
[3] أخرجه أحمد (1/301، 338) ، والترمذي: كتاب صفة جهنم - باب ما جاء في صفة شراب أهل النار، حديث (2585) ، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه، كتاب الزهد - باب صفة النار، حديث (4325) ، وإسناده ضعيف، فيه عنعنة الأعمش، وانظر ضعيف ابن ماجه (944) .
[4] أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق - باب صفة النار، وأنها مخلوقة، حديث (3265) ، ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها - باب في شدة حر نار جهنم، حديث (2843) .
[5] أخرجه مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها - باب النار يدخلها الجبارون... حديث (2851) .
[6] أخرجه البخاري: كتاب الرقاق - صفة الجنة والنار، حديث (6551) ، ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها - باب النار يدخلها الجبارون... حديث (2852) .
[7] أخرجه مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها - باب في شدة حر نار جهنم.... حديث (2844) .
[8] أخرجه مسلم: كتاب الإيمان - باب أهون أهل النار عذاباً حديث (213) ، وأخرج البخاري أول الحديث، صحيح البخاري: كتاب الرقاق - باب صفة الجنة والنار، حديث (6562) .
[9] أخرجه مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها - باب في شدة حر نار جهنم، حديث (2845) .
الخطبة الثانية
الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، خلق الإنسان في كبد، فأخذ طريق الغواية وأخذ سبيل الرشد.
والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي ذكر النار يوما فأشاح بوجهه فتعوذ منها، ثم ذكر النار فأشاح بوجهه فتعوذ منها ثم قال: (( اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة ) ) [1] .
عباد الله، إن أهل النار في عذاب دائم لا ينقطع ولا يخفف، إنهم يسألون ربهم العودة إلى الدنيا ليعملوا صالحا، يسألونه بقلوب منكسرة يعتصرها الحزن والأسى: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذّبَ بِئَايَاتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام:27] ، قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ % قَالَ اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ [المؤمنون:106-108] .
ثم يسألون الموت والراحة من هذا العذاب، ولكن هيهات وَنَادَوْاْ يامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ [الزخرف:77] ، وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا [فاطر:36] .