قال"الإمام النووي":"يحرم الهجر بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال بالنص وتباح في الثلاث بالمفهوم، وإنما عفي عنه في ذلك؛ لأن الآدمي مجبول على الغضب، وسوء الخلق، فسومح بذلك القدر ليرجع ويزول ذلك العارض."
وقال"أبو العباس القرطبي": المعتبر ثلاث ليال، حتى لو بدأ بالهجرة في أثناء النهار ألغى البعض وتعتبر ليلة ذلك اليوم، وينقضي العفو بانقضاء الليلة الثالثة. قال"ابن حجر":وفي الجزم باعتبار الليالي دون الأيام جمود. .... وفي رواية شعيب في حديث أبي أيوب بلفظ:"ثلاثة أيام"فالمعتمد أن المرخص فيه ثلاثة أيام بلياليها، فحيث أطلقت الليالي أريد بأيامها، وحيث أطلقت الأيام أريد بلياليها، ويكون الاعتبار مضى ثلاثة أيام بلياليها ملفقة، إذا ابتدئت مثلاً من الظهر يوم السبت كان آخرها الظهر يوم الثلاثاء10.
قال"الشيخ العثيمين":"لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاثة أيام لكن فيما دون الثلاثة له أن يهجره، ولا ينبغي أيضاً، لكن له يهجره؛ لأن الإنسان ربما يكون بينه وبين أخيه شيء من وقفة الخواطر والشرف عليه، فيهجره، هذا رخص له النبي-صلى الله عليه وسلم- ثلاثة أيام فقط، وبعد ذلك لا بد أن يسلم لكن إذا كان الهجر لمصلحة دينية، مثل أن يكون سبباً لا ستقامة المهجور، وتركه المعاصي فإنه لا بأس به، بل قد يكون واجباً، وقد أمر الرسول-صلى الله عليه وسلم-بهجر كعب بن مالك -رضي الله عنه-وصاحبيه هلال ابن أمية، مرارة ابن الربيع، الذين تخلفوا في غزوة تبوك، ولما رجع النبي-صلى الله عليه وسلم-من الغزوة جاء المنافقون يعتذرون للرسول-صلى الله عليه وسلم-ويحلفون أنهم معذورون، فقال الله تعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} التوبة: 95-96."
حتى لو رضيتم عنهم ما ينفع، أما هؤلاء الثلاثة فمنَّ الله عليهم بالصدق، وصرحوا للرسول الله-صلى الله عليه وسلم - أنهم تخلفوا بلا عذر. وكان أشبهم كعب بن مالك-رضي الله عنه-، شاب جلد وكان عنده في تلك الغزوة راحلتان يعني غنيّ يستطيع أن يخرج في هذه الغزوة، لكن سولت له نفسه التمهل: أخرج غداً أخرج غداً، حتى ذهب الوقت، ولما رجع النبي-صلى الله عليه وسلم- جاءه كعب بن مالك، وقال يا رسول الله: لقد أوتيت جدلاً. أستطيع أن أجادل وأخاطب، لو جلست عند رجل غيرك عرفت أن أتكلم لكن والله لا أقول شيئاً ترضى به عني اليوم يفضحني الله به غداً، فقال الرسول-صلى الله عليه وسلم-"أما هذا فقد صدق، اذهب فسيقضي الله فيك وفي صاحبيك"ثم أمر الناس أن يهجروهم ، ما يكلموهم، حتى أقاربهم، قال لا تلكموهم، حتى أحسن الناس خلقاً وأشدهم تحملاً محمد -صلى الله عليه وسلم-يقول كعب كنت أرد عليه السلام فأقول هل حرك شفتاه...الخ.
فإذا كان في هجر من فعل معصية لترك واجب أو فعل محرم فائدة يهجر حتى تتحقق الفائدة، وأما من كان هجره لا يفيد شيئاً بل لا يزيد الأمر إلا شدة والنار إلا اضطراما؛ لأن الشرع جاء بالمصالح وليس بالمفاسد، فإذا علمنا أننا لو هجرنا هذا العاصي لم يزدد إلا شراً وكراهة لنا وكراهة لما معنا من الخير، فإننا لا نهجره، نسلم عليه ونرد عليه السلام لأنه وإن عصى الله، والمؤمن لا يهجر فوق ثلاث، هذا هو الحكم فيما يتعلق بالهجر، وفي النهاية يسوءني أن أحد المسلمين اليوم يمر بعضهم ببعض لا يسلم أحدهم على الآخر، يتلاقيان يضرب كتف أحدهم كتف الآخر لا يسلم عليه وكأنما مر بجيفة, أو يهودي, أو نصراني، مع أنه أخوه ومع هذا إذا سلم، ما ذا يستفيد؟ عشر حسنات، ورسوخ إيمان، ومحبة ، وألفة ، ودخول الجنة، قال النبي-صلى الله عليه وسلم-:"والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم"11. فبين أن إفشاء السلام من أسباب المحبة, والمحبة من الإيمان والإيمان سبب في دخول الجنة، فيؤسفنا جداّ أن نرى مسلمين يلتقي بعضهم ببعض ولا يسلم، بل ربما كانا أخوين زميلين في الدراسة، سواءً في دراسة المسجد أو دراسة الكلية أو المعهد أو المدارس الأخرى، لا يسلم بعضهم على بعض، إذاً ما فائدة العلم؟ وما فائدة طلب العلم؟ إذ لم يتربى طالب العلم بالتربية الحسنة التي دل عليها الكتاب والسنة وكان عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما الفائدة من التعليم فالمتعلم والجاهل سواء، إن لم يكن الجاهل خيراً منه، ولهذا أحثكم على إفشاء السلام لفوائدة العظيمة، وهو لا يضر، لأنه عمل اللسان، واللسان لو يعمل من الصباح إلى الغروب ما كل ولا مل فنسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق والعصمة والتوبة إنه على كل شيء قدير12.