فهرس الكتاب

الصفحة 3884 من 9994

قوله-صلى الله عليه وسلم-:"فوق ثلاث"ظاهره إباحة ذلك في الثلاث، وهو من الرفق، لأن الآدمي في طبعه الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك، والغالب أن يزول أو يقل في الثلاث13.

وقوله-صلى الله عليه وسلم-:"يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا"وفي رواية"فيصد هذا ويصد هذا"هو بضم الصاد ومعنى يصد: يعرض أي يوليه عرضه بضم العين وهو جانبه، والصد بضم الصاد وهو أيضاً الجانب والناحية"14".ولأبي داود بسند صحيح من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-:"فإن مرت به ثلاث فلقيه فليسلم عليه، فإن رد عليه فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم"15، وخرج المسلم من الهجرة"ولأحمد والمصنف في الأدب المفرد"وصححه ابن حبان من حديث هشام بن عامر:"فإنهما ناكثان عن الحق ما داما على صرامهما، وأولهما فيئاً يكون سبقه كفارة"فذكر نحو حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- وزاد في آخره:"فإن ماتا على صرامهما لم يدخلا الجنة جميعاً"16.

وقوله-صلى الله عليه وسلم-:"وخيرهما الذي يبدأ بالسلام", أي هو أفضلهما وفيه دليل لمذهب الشافعي ومالك ومن وافقهما أن السلام يقطع الهجرة ويرفع الأثم فيها ويزيله، وقال أحمد وابن القاسم المالكي إن كان يؤذيه لم يقطع السلام هجرته قال الشافعية: ولو كاتبه أو راسله عند غيبته عنه هل يزول ثم الهجرة وفيه وجهان أحدهما لا يزول لأنه لم يكلمه وأصحهما يزول لزوال الوحشة والله أعلم17.

وقال"ابن حجر في الفتح:"قال أكثر العلماء:"تزول الهجرة بمجرد السلام ورده"، وقال أحمد:"لا يبرأ من الهجرة إلا بعوده إلى الحال التي كان عليها أولاً". وقال أيضاً."ترك الكلام إن كان يؤذيه لم تنقطع الهجرة بالسلام". كذا قال"ابن القاسم"وقال"عياض": إذا اعتزل كلامه لم تقبل شهادته عليه عندنا ولو سلم عليه، وهذا يؤيد قول ابن القاسم: قلت"أي ابن حجر"ويمكن الفرق بأن الشهادة يتوقى فيها، وترك المكالمة يشعر بأن في باطنه عليه شيئاً فلا تقبل شهادته عليه، وأما زوال الهجرة بالسلام عليه بعد تركه ذلك في الثلاث فليس بممتنع، واستدل الجمهور بما رواه الطبراني من طريق زيد بن وهب عن ابن مسعود في أثناء حديث موقوف وفيه:"ورجوعه أن يأتي فيسلم عليه"واستدل بقوله"أخاه"على أن الحكم يختص بالمؤمنين.

قال"ابن عبد البر": أجمعوا على أنه لا يجوز الهجران فوق ثلاث إلا لمن خاف من مكالمته ما يفسد عليه دينه أو يدخل منه على نفسه أو دنياه مضرة، فإن كان كذلك جاز، ورب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية.

ثم إن الهجر مقامين أعلى وأدنى، فالأعلى اجتناب الإعراض جملة فيبذل السلام والكلام والمواددة بكل طريق، والأدنى الاقتصار على السلام دون غيره، والوعيد الشديد إنما هو لمن يترك المقام الأدنى، وأما الأعلى فمن تركه من الأجانب فلا يلحقه اللوم، بخلاف الأقارب فإنه يدخل فيه قطيعة الرحم18.

وهذه بعض الأمثلة عن السلف الصالح للتسابق على البدء بالسلام بعد التهاجر, فعن أبي الحسن المدائني قال:"جرى بين الحسن بن علي وأخيه الحسين كلام حتى تهاجرا فلما أتى على الحسن ثلاثة أيام من هجر أخيه فأقبل إلى الحسين وهو جالس فأكب على رأسه فقبله، فلما جلس الحسن قال له الحسين: إن الذي منعني من ابتدائك والقيام إليك أنك أحق بالفضل مني فكرهت أن أنازعك ما أنت أحق به"19.

أما في زماننا هذا فإن الأمر يختلف تماماً فأنا أعرف شخصين متهاجرين لا يكلم أحدهم الآخر لمدة تزيد عن خمس سنوات وكانا زملاء في المدرسة وكنت زميلاً لهما فلم أعهد من أحدهم أنه كلم الآخر خلال خمس سنوات وتركتهم وهم على ذلك وما أدري هل اصطلحا أم لا.

ويكلمني أحد الأخوة الثقات أنه يعرف شخصين متهاجرين أكثر من سبع سنوات. فإنا لله وإنا إليه راجعون أين هؤلاء من قول النبي-صلى الله عليه وسلم-:"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث"وهذا الهجر الذي حصل ويحصل إنما هو على أغراض دنيوية أو أسباب شخصية أما على محارم الله فلا تجد إلا النادر فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

أنواع الهجر:

يختلف الهجر باختلاف المهجور ويمكن تلخيص ذلك في الأنواع الآتية:

1-هجر القرآن.

2-هجر الرجل زوجته، أو نساءه.

3-هجر الأقارب"وهو نوع من قطيعة الرحم"

4-هجر أهل البدع والأهواء.

5-هجر المسلمين بعضهم بعضا، ويسمى بالتهاجر.

الفرق بين التهاجر والتدابر والتشاحن:

قال ابن حجر:"التهاجر: أن يهجر المسلم أخاه فوق ثلاثة أيام لغير غرض شرعي".

والتدابر: هو الإعراض عن المسلم بأن يلقى أخاه فيعرض عنه بوجهه.

والتشاحن: هو تغير القلوب المؤدي إلى التهاجر والتدابر20.

حكم الهجر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت