فهرس الكتاب

الصفحة 394 من 9994

سؤال مهم؟

الحمد لله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، أحصى كل شيءٍ علمًا، كتب على هذه الدنيا الزوال والفناء، وتفرد بالدوام والبقاء، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، وهو السميع البصير.

سبحانه لا عز إلا في طاعته، ولا فوز إلا في قربه، ولا غنى لنا عنه طرفة عين ولا أقل من ذلك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي اكتمل به عقد النبوة، فطوبى لمن والاه وتولاه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

أيها الفضلاء: سؤال مهم يتطلب الإجابة عليه, وهو: هل لدى المؤمن وقت فراغ؟

وقبل الإجابة على السؤال نقف فنقول: إننا وللأسف الشديد نسمع بين الحين والآخر من بعض الشباب من يقول لصاحبه وقرينه: تعال لنقضي وقت الفراغ، وسمعنا من يقول لخليله تعال نمشّي الوقت - أو نقتل الوقت - ونرى من يقضي أوقاتًا طويلة من عمره في اللعب والدعة والراحة، وسهر الليالي الطويلة في مشاهدة أومتابعة المباريات، قد سقط حاجباه على عينيه، من كثرة المشاهدة، منشغل البال، خفيف العقل، بخفة تلك الكرة التي تتحرك يمينًا وشمالًا، وأمام وإلى الوراء.

ونرى كذلك من يقضي جل وقته في التسكع في الأسواق والطرقات، والتفحيط والتطعيس، والمغازلات والمعاكسات للبنات، ثم ما يضاف إلى ذلك من إضاعة الصلوات، وسائر الحقوق والواجبات.

ولذلك كان من المهم الإجابة عن ذلكم السؤال فنقول: إن المؤمن ليس في وقته وقت فراغ، يقضيه سبهللًا لا إلى دنيا ولا إلى آخرة لأن الوقت في حياة المؤمن لا يقدر بثمن، فليس وقته كما يقال: من ذهب، وإنما وهو أغلى من ذلك بكثير، لأن وقته يعني حياته، كما قال الحسن يا بن إنما أنت أيام فإذا ذهب يوم ذهب بعضك

فالليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم، والسعيد من استطاع أن يقدم في كل مرحلة زادًا لما بين يديها، فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو, والأمر أعجل من ذلك، والموفق من تزود لسفره، وإنما الدنيا إلى الجنة والنار طريق، والليالي متجر الإنسان والأيام سوق 1.

وقد خاطب الله نبينا ونحن تبع له فقال - تعالى-: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } 2. أي فإذا فرغ من عبادة أقبل على الأخرى، وإذا فرغ من عمل أقبل على العمل الآخر، وهكذا.

حتى يصل بنا ذلك إلى الغاية التي يسعى لها كل مسلم وهي الجنة، بتحقق الوظيفة التي لأجلها خلق الجن والإنس، { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } 3. هذه الوظيفة التي لا ينبغي للإنسان أن يقضي وقته إلا فيها . عبادة ربه وخالقه ومولاه، وإلا كان الغبن والخسارة, قال قتادة بن خليد: المؤمن لا تلقاه إلا في ثلاث خلال: مسجد يعمره، أو بيت يستره، أو حاجة من أمر دنياه لا بأس بها.

وقد جاء في الحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس الصحة والفراغ"4. أي وربي لقد غبن كثير من الناس بعدم استغلالهم لفراغهم وصحتهم في طاعة ربهم.

إن الصحة والفراغ هي الأبواب التي تلج منها الشهوات، ويتربع في فنائها الهوى الجامح فيأتي على صاحبه بالعطب، وقد صدق من قال: من الفراغ تكون الصبوة. ورحم الله الشافعي إذ يقول:

إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة

والعاقل الموفق من أدرك حقيقة تلك النعم، فاغتنم عمره في علم نافع يحفظه، أو عمل مفيد يقوم به يحفظ له ولأمته الرفعة والتمكين، ويجعلها خير أمة أخرجت للناس إن من أمضى يومه في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أثلة، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه؛ فقد عق يومه، وظلم نفسه وظلمه...

ولهذا حرص الموفقون على الاستفادة من كل دقيقة وثانية من حياتهم؛ بالعمل الصالح، وعدوا ذلك مغنمًا.. وعلموا أن ضياعها بدون فائدة مغرمًا..

قال عمر بن ذر.. قرأت كتاب سعيد بن جبير إن كل يوم يعيشه المؤمن غنيمة.. وهذا المغنم هو حصيلة أعمال صالحة قدمت.. صلاة وصيام وتسبيح وغيره5.

أيها المؤمن: إن من علامة إعراض الله عنك أن يجعلك تشغل فيما لا يعنيك خذلانًا من الله - عز وجل - لك.

وانظر إلى حال بعض الموفقين كيف استفادوا من أوقاتهم واستغلوه فيما يرضي خالقهم، فقد قيل أن الإمام الشافعي كان يجزأ ليله إلى ثلاثة أجزاء: الثلث الأول يكتب، والثلث الثاني يصلي، والثلث الثالث ينام. وأمثاله كثير.

أخي المسلم: إنه ينبغي عليك أن تتخذ من مرور الساعات والدقائق والليالي والأيام عبرة لنفسك، فإن مرور الساعات والدقائق والليالي والأيام؛ كما قال الشاعر:

أشاب الصغير وأفنى الكبير كر الغداة ومرُّ العشي

إذا ليلة أهرمت يومها أتى بعد ذلك يومٌ فتى

إن مضي الزمن واختلاف الليل والنهار لا يجوز أن يمر بالمؤمن وهو في ذهول عن الاعتبار به، والتفكر فيه، ففي كل يوم يمر، بل في كل ساعة تمضي، بل في كل لحظة تنقضي، تقع في الكون والحياة أحداث شتى، منها ما يرى وما لا يرى، ومنها ما يعلم ومنها ما لا يعلم.. فمن أرض تحيا، وحبة تنبث، ونبات يزهر، وزهر يثمر، وتمر يقطف، وزرع يصبح هشيمًا تذروه الرياح، أو من جنين يتكون، وطفل يولد، ووليد يشيب، وشيخ يتكهل، وكهل يشيخ، وشيخ يموت...6 إلى غير ذلك.

إذا كنت في الأمس أسأت فثنِّ بإحسانٍ وأنت حميد

ولا ترج فعل الخير يومًا إلى غد لعل غدًا يأتي وأنت فقيد

ويومك إن عاتبته عاد نفعًا إليك وما ضُحى الأمس ليس يعود

وقال وهيب بن الورد: إن استطعت أن لا يشغلك عن الله - تعالى- أحد فافعل.

أيها الشاب: إن زمن الشباب زمن الصحة والقوة.. الحركة سريعة، والوثبة قوية، والحواس مكتملة... ماذا قدمت في هذا الوقت؟ وهي صحة لن تعود، ونشاط لن يبقى، وحواس تنقص..

كانت صفية بنت سيرين توصي فتقول.. يا معشر الشباب خذوا من أنفسكم وأنتم شباب؛ فإني ما رأيت العمل إلا في الشباب.

إن الشباب حجة التصابي روائح الجنة في الشباب

بعض الشباب يرى أن لديه وقت فراغ ... وساعات لا يحتاج إليها.. ويبرر لنفسه بما يشاء.. خرج القاضي شريح على قوم من الحاكة في يوم عيد وهم يلعبون، فقال: ما لكم تعلبون؟ قالوا: تفرغنا!! قال: أو بهذا أمر الفارغ، وتلا قوله تعالى: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } 7 .8

أيها الشباب: إن الشباب أمثالكم في عهود الإسلام الأولى كان يشغلهم معالي الأمور، وكيف ينصرون دينهم، ويبلغون دعوة نبيهم؛ فهذا أسامة بن زيد رضي الله عنه يقود جيشًا عرمرمًا، وفي الجيش كبار الصحابة، وتحت إمرته أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وغيره من كبار الصحابة، وكان لا يتجاوز عمره حينها العشرين عامًا. وعلى بن أبى طالب رضي الله عنه كان يصول ويجول في ساحات القتال، يقاتل الأشداء من الكفار مبارزة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت