فهرس الكتاب

الصفحة 395 من 9994

وابنا عفراء يتصديان لقتل فرعون هذه الأمة أبا جهل؛ واسمع إلى قصتهما العجيبة؛ فعن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وعن شمالي، فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما، فقال: يا عم! هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، ما حاجتك إليه يا بن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منّا، فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، قلت: ألا وإن هذا صاحبكما الذي سألتماني، فابتدراه بسيفيها فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه، فقال:"أيكما قتله ؟"قال كل واحد منهما أن قتلته، فقال:"هل مسحتما سيفكما ؟"قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال:"كلا كما قتله"9 . وابن عباس ترجمان القرآن؛ كان مرجعية علمية وآية في الفهم والحفظ على صغر سنه.

كرر عليّ حديثهم يا حادي فحديثهم يجلو الفؤاد الصادي

هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

أيها الناس: إنني أحذر نفسي وإياكم من آفات الوقت القاتلة، والتي منها:

أولًا: الغفلة؛ فإن الله تعالى قد حذرنا من الغفلة أشد التحذير، حتى إنه جعل أهلها أضل من الأنعام سبيلًا، بل جعلهم حطب جهنم وساءت، قال الله تعالى: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } 10 .

وحذر نبيه صلى الله عليه وسلم من أن يطيع أو يسمع للغافلين؛ كما في قوله تعالى: { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } 11.

أرشد سبحانه وتعالى إلى علاج من هذه الآفة؛ في قوله سبحانه: { وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ } 12 .

ثانيًا: التسويف وهو من آفات الوقت القاتلة، حيث تتنقل بالإنسان في أعماله من وقت لوقت ومن زمان لزمان ومن مكان لمكان، حتى ينقطع وهو لا أظهر أبقى وعمل قضى، لا سيما الأعمال التي تقربه من الله خالقه ومولاه، فكم نسمع بعض الناس إذا نصحوا أو وجهوا أو أمروا بما ينفعهم، يقولون: سوف نتوب، وسوف نعمل،... وأقول: احذروا - بارك الله فيكم - من سوف؛ فإنها جندي من جنود إبليس، وكما قيل: سوف تسلف، وذلك حين لا يجدي التسلف، قال الله تعالى: { يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } 13 .

ومن الذي يضمن لك أيها المسوف المؤخر لعملك اليوم غدٍا وأنه لك لا عليك؛ وأنك ستعيش إلى غد، وأنَّ الموت لن يأتيك بغتة، { قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ } 14 { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } 15.

تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جنّ ليل هل تعيش إلى الفجر

فكم من سليم مات من غير علة وكم من سقيم عاش حينًا من الدهر

وكم من فتى يمسي ويصبح آمنًا وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري

ثم إن لكل يوم عمله، ولكل وقت واجباته، فليس هناك مجال للتسويف، ولما قيل لعمر بن عبد العزيز، وقد بدا عليه الإرهاق من كثرة العمل: أخر هذا إلى الغد. فقال: لقد أعياني عمل يوم واحد، فكيف إذا اجتمع عليّ عمل يومين؟!

وقال الحسن البصري رحمه الله: إياك والتسويف، فإنك بيومك، ولست بغدك، فإن يكن غد لك، فكن في غد كما كنت في اليوم، وإن لم يكن لك غد لم تندم على ما فرطت في اليوم.

وكتب محمد بن سمرة السائح إلى يوسف بن أسباط يقول: أي أخي! إياك وتأمير التسويف على نفسك، وإمكانه من قلبك، إنه محل الكلال، وموئل التلف، وبه تقطع الآمال، وفيه تنقطع الأجيال، فإنك إن فعلت ذلك أدلته من عزمك، وهواك عليه فعلًا، واسترجعا من بدنك من السآمة ما قد ولى عنك، فعند مراجعته إياك لا تنفع نفسك من بدنك بنافعة، وبادر يا أخي فإنك مبادرٌ بك، وأسرع فإنك مسروع بك، وجد فإن الأمر جد، وتيقظ من رقدتك، وانتبه من غفلتك، ونذكر ما أسلفت وقصرت، وفرطت وجنيت وعملت، فإنه مثبت محصى، فكأنك بالأمر قد بغتك، وأعطيت بما قدمت، أو ندمت على ما فرطت.

فالله الله - عباد الله - في الحفاظ على الأوقات واستغلالها فيما يرضي رب الأرض والسماوات، والحذر والحذر من الغفلات، وتأخير الطاعات والتسويف في فعل الخيرات؛ وإضاعة الأوقات فيما يسخط عالم السر والخفيات. وما يسبب لكم الفوات أو للنفس اعتياد المنكرات، وكما قيل:

والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

واعلموا أن العمل مهمة الإنسان الحي، فالذي لا يعمل لا يستحق الحياة، بل هو ميت، وكل عمل ابن آدم عليه إلا عمل الآخرة وما يقرب إلى الله - عز وجل -، فإنه له يضاعف له الحسنة بعشرة أمثالها إلى أضعاف كثيرة، ولا يمنع ذلك من أن يعمل الإنسان لدنياه، وما يعينه في مسيره إلى الآخرة، لكن يعمل للدنيا، وشعاره: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا.

أسأل الله العلي العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يعيننا على أنفسنا، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يعصمنا من كل سوء ومكروه، وأن يعنا على استغلال أوقات عمرنا فيما يرضيه لنا، إنه جواد كريم..

اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، واخذل الكفرة والملحدين، واجعل كلمة هي العليا إلى يوم الدين.

اللهم! أرنا الحق حقًا وارزقنا وأتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.

عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.

1-ابتصرف من الوقت انفاس لا تعود صـ ( 16- 17 ) .

2 -سورة الشرح (7 - 8) .

3 -سورة الذاريات (56) .

4 -رواه البخاري ومسلم.

5-الوقت أنفاس لا تعود لعبد الملك القاسم صـ ( 13- 15) .

6-الوقت أنفاس لا تعود لعبد الملك القاسم صـ ( 21-22 ) . نقلًا عن الوقت للقرضاوي.

7 -سورة الشرح (7) (8) .

8-الوقت أنفاس لا تعود لعبد الملك القاسم صـ ( 30-31) .

9 -رواه البخاري ومسلم.

10 -سورة الأعراف (179) .

11 -سورة الكهف (28) .

12 -سورة الأعراف (205) .

13 -سورة الشعراء (88) (89) .

14 -سورة الأنعام (47) .

15 -سورة الأعراف (34) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت