فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الحمد لله الذي كتب الإيمان وزينه في قلوب أوليائه، وجعلها موطن الرحمة الرأفة ، المطلع على تقلب قلوبهم والعليم بمختلف أحوالهم، والممتحن للقلوب بالتقوى.
أحمده كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشكره على عظيم رحمته وسعة أفضاله، وأستعين به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه وخليله، شرح الله له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره.
أما بعد:
فإن سلامة القلب: « مشهد شريف جدًا لمن عرفه وذاق حلاوته ، وهو أن لا يشغل قلبه وسره بما ناله من الأذى وطلب الوصول إلى درك ثأره ، وشفاء نفسه ؛ بل يفرغ قلبه من ذلك ، ويرى أن سلامته وبرده وخلوه منه أنفع له ، وألذ وأطيب ، وأعون على مصالحه...» 1
و الله - سبحانه وتعالى - قد اصطفى من الناس أنبياء، واصطفى من الأنبياء أنبياء هم أولو العزم، واصطفى من أولي العزم الخليلين محمد وإبراهيم - عليهما السلام-.
وخص إبراهيم بهذه الميزة وهذه الخصلة فقال تعالى على لسانه عليه السلام: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} . 2
فما هو القلب السليم الذي به يكرم المرء يوم القيامة ولولاه لكان الخزي والهوان ، يوم يعرض الناس على الله جل شأنه وانقطع نفع الأموال والبنون ...؟ وما هي علاماته ؟
تعريف القلب السليم:
القلب لغة: القاف واللام والباء أصلان صحيحان، أحدهما يدل على خالص الشيء وشريفه. والآخر قلب الإنسان وغيره، سمي به لأنه أخلص شيء فيه وأرفعه. وخالص كل شيء وأشرفه قلبه3
تعريف السليم: السين واللام والميم- معظم بابه من الصحة والعافية، فالسلامة أن يسلم الإنسان من العاهة والأذى. 3
والسلامة: البراءة، يقال: سليم من الأمر سلامة: نجا، ومنه قوله تعالى: {وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} 4
أي من اتبع هدى الله سلم من عذابه وسخطه.
أيها الأحبة في الله: لقد أخبر الله - سبحانه وتعالى- أنه لن ينجوا من عذابه وسخطه يوم القيامة إلا صاحب القلب السليم ،كما في قوله تعالى حاكيًا عن إبراهيم عليه السلام: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} الشعراء (87-89) .
وقد اختلف العلماء في القلب السليم ما معناه في الآية ؟ فقيل: السليم من الشك والشرك، وأما الذنوب فلا يسلم منها أحد ، قاله قتادة وابن زيد وأكثر المفسرين
وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم الصحيح ، وهو قلب المؤمن؛ لأن قلب الكافر والمنافق مريض؛ قال الله تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } سورة البقرة (10) .
وقال أبو عثمان السيّاري: هو القلب الخالي من البدعة المطمئن إلى السنة.
وقال الضحاك السليم الخالص .
قلت 5وهذا القول يجمع شتات الأقوال بعمومه وهو حسن أي الخالص من الأوصاف الذميمة والمتصف بالأوصاف الجميلة والله أعلم
وقد روي عن عروة أنه قال: يا بني لا تكونوا لعانين فإن إبراهيم لم يلعن شيئًا قط، قال الله تعالى: {إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} سورة الصافات (84) ).
وقال محمد بن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في القبور. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير ... ) يريد والله أعلم أنها مثلها في أنها خالية من كل ذنب سليمة من كل عيب لا خبرة لهم بأمور الدنيا ..."6"
ويمكن أن يقال إن الأمر الجامع لذلك كله: هو أن القلب السليم هو القلب الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله. فسلم من محبة غير الله معه، ومن خوفه، ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والذل له، وإيثار مرضاته في كل حال، والتباعد من سخطه بكل طريق. وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله - سبحانه وتعالى- وحده. 7
فهو السليم الذي سلم من الشرك والغل، والحقد والحسد، والشح والكبر، وحب الدنيا والرياسة، فسلم من كل آفة تبعده من الله ، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده، وسلم من كل قاطع يقطع عن الله، فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا، وفي جنة البرزخ، وفي جنة يوم المعاد .
ولاتتم سلامته مطلقًا حتى يسلم من خمسة أشياء:
1.من شرك يناقض التوحيد.
2.وبدعة تخالف السنة.
3.وغفلة تناقض الذكر.
4.وهوى يناقض التجريد والإخلاص. 8
ويبرز لنا هنا سؤال وهو ما المقصود بمجيء الخليل - عليه السلام- ربه يوم القيامة بقلبٍ سليم ؟
قال القرطبي: يحتمل مجيئه إلى ربه وجهين: أحدهما: عند دعائه إلى توحيده وطاعته. الثاني: عند إلقائه في النار.9
أما الوجه الأول:"عند دعائه إلى توحيده وطاعته، فإن له أمثلة كثيرة من القرآن؛ منها دعوته لأبيه وقومه إلى عبادة الله وطاعته وترك طاعة ما سواه، ولقد قال بعد إنكاره على أبيه وقومه عبادة ما لا يضر ولا ينفع: { أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ o فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} 10 وقال: ( { لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ o إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ } 11 وقال لأبيه وقومه أيضًا:..ما تعبدون o قالوا نعبد أصنامًا فنظل لها عاكفين o قال هل يسمعونكم إذ تدعون o أو ينفعونكم أو يضرون o قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون o قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون o أنتم وآباؤكم الأقدمون o فإنهم عدوٌ لي إلا رب العالمين... 12"
وقال تعالى حاكيًا عنه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} 13
وما كل تلك الدعوات إلى التوحيد والطاعة وإنكار الشرك والعصيان إلا لسلامة قلبه تجاه أهله وقومه والحرص على إيصال الخير إليهم ودعوتهم والنصح لهم ..
النوع الثاني: عند إلقائه في النار: لأن الله - جل وعلا- يدافع عن المؤمنين الموحدين ومن أخلصت قلوبهم له ، فيحفظهم وينجيهم في أشد الظروف وأقساها، ولذلك لما ألقي - عليه السلام- في النار، بعد إنكاره على قومه عبادة غير الله، وكسره لآلهتهم التي يعبدونها، ما كان منهم إلا أن: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم وأرادوا به كيدًا فجعلناهم الأخسرين} 14فسلم لما سلم قلبه له سبحانه .. !
علامات القلب السليم:
ومن علامات صحة القلب:
"أن يرتحل عن الدنيا حتى ينزل بالآخرة، ويحل فيها، حتى يبقى كأنه من أهلها وأبنائها، وقد جاء إلى هذه الدار غريبًا يأخذ منها حاجته، ويعود إلى وطنه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن عمر:"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك من أهل القبور"15"
وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: إن الدنيا قد رحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل منها بنون، فكنوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، ...