فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 9994

1.ومن علامات صحة القلب أنه لا يزال يضرب على صاحبه حتى ينيب إلى الله ويخبت إليه، ويتعلق به تعلق المحب المضطر إلى محبوبه، الذي لا حياة له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا برضاه وقربه والأنس به. وعليه يتوكل، وبه يتق، وإياه يرجو، وله يخاف، فذكره قوته، وغذاؤه محبته، والشوق إليه حياته ونعيمه ولذته وسروره، والالتفات إلى غيره والتعلق بسواه داؤه، والرجوع إليه دواؤه... كما قال بعض العارفين: مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وماذا قوا أطيب ما فيها؛ قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله، والأنس به، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره وطاعته.

وقال آخر: إنه ليمر بي أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب. وقال آخر: والله ما طابت الدنيا إلا بمحبته وطاعته، ولا الجنة إلا برؤيته ومشاهدته.

2.ومن علامات صحة القلب وسلامته: أنه لا يفتر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته، ولا يأنس بغيره، إلا بمن يدله عليه، ويذكره به، ويذاكره بهذا الأمر.

3.أنه إذا فاته ورده وجد لفواته ألمًا أعظم من تألم الحريص بفوات ماله وفقده.

4.أنه إذا دخل في الصلاة وذهب عنه همه وغمه بالدنيا، واشتد عليه خروجه منها، ووجد فيها راحته ونعيمه، وقرة عينه وسرور قلبه.

5.أن يكون همه واحدًا، وأن يكون في الله.

6.أن يكون أشح بوقته أن يذهب ضائعًا من أشد الناس شحًا بماله ومنعًا.

7.أن يكون اهتمامه بتصحيح العمل أعظم منه بالعمل، فيحرص على الإخلاص فيه والنصيحة والمتابعة والإحسان، ويشهد مع ذلك منة الله عليه فيه وتقصيره في حق الله.

وبالجملة فالقلب الصحيح: هو الذي همه كله في الله، وحبه كله له، وقصده له، وبدنه له، وأعماله له، ونومه له، ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث، وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابه، والخلوة به آثر عنده من الخلطة إلا من حيث تكون الخلطة أحب إليه وأرضى له، قرة عينه به وطمأنينته وسكونه إليه، فهو كلما وجد من نفسه التفاتًا إلى غيره تلا عليها: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارجعي إلى ربك راضية مرضية} 16 فيردد عليها الخطاب بذلك ليسمعه من ربه يوم لقائه، فيصبغ القلب بين يدي إلهه ومعبوده الحق بصبغة العبودية، فتصير العبودية محبة محبوبه لخدمته وقضاء أشغاله، فكلما عرض له أمر من ربه أو نهي أحس من قلبه ناطقًا ينطق: لبيك وسعديك، إ ني سامع مطيع ممتثل، ولك علي المنة في ذلك، والحمد فيه عائد إليك.

وإذا أصابه قدر وجد من قلبه ناطقًا يقول: أنا عبدك ومسكينك وفقيرك، وأنا عبدك الفقير العاجز الضعيف المسكين، وأنت ربي العزيز الرحيم، لا صبر لي إن لم تصبرني، ولا قوة لي إن لم تحملني، ولا قوة لي إن لم تحملني وتقوِّني؛ لا ملجأ إلا إليك، ولا مستعان لي إلا بك، ولا انصراف لي عن بابك، ولا مذهب لي عنك.

فينظر بمجموعه بين يديه، ويعتمد بكليته عليه، فإن أصابه بما يكره قال: رحمة اهديت إليّ، ودواء نافع من طبيب مشفق، وإن صرف عنه ما يحب قال: شرًا صرفه عني.

وكم رمت أمرًا خرت لي في انصرافه وما زلت بي مني أبر وأرحما

فكلما مسّه من السراء والضراء اهتدى بها طريقًا إليه، وانفتح له باب يدخل منه عليه، كما قيل:

ما مسني قدر بكره أو رضى إلا إذا اهتديت به إليك طريقًا

أمضى القضاء على الرضى مني به إني وجدتك في البلاء رفيقًا.

فالله هاتيك القلوب وما انطوت عليه من الضمائر، وماذا أودعته من الكنوز والذخائر، والله طيب أسرارها ولا سيما يوم تبلى السرائر. ستبدي لها طيب ونور وبهجة وحسن ثناء يوم تبلى السرائر

تالله لقد رفع لها علم عظيم فشمرت إليه، واستبان لها صراط مستقيم فاستقامت عليه، ودعاها إلى ما دون مطلوبها الأعلى فلم تستجب إليه واختارته على ما سواه وآثرت ما لديه.17

نسأل الله أن يحفظنا من كل سوء ومكروه, وأن يصلح قلوبنا، وأن يتوفانا وهو راض عنا.

اللهم! علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا. اللهم!رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

اللهم! إنا نسألك قلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، وتوبة نصوحًا، وجسدًا على البلاء صابرًا , وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

1 -مدارج السالكين ، (2/320)

2 -النحل (120-121) . الشعراء (87-89)

3 -معجم مقاييس اللغة 5/17 , المصدر السابق 3/91.

4 -سورة طه (47)

5 -القائل الإمام القرطبي رحمه الله .

6 -تفسير القرطبي 13 / 114 - 115 بتصرف يسير

7 -إغاثة اللهفان بنصرف يسير

8 -الجواب الكافي بتصرف يسير

9 -الجامع لأحكام القرأن15 /91.

10 -سورة الصافات (86-87) .

11 -سورة الزخرف (26-27) .

12 -سورة الشعراء (69-76) .

13 -سورة الأنبياء (51-52) .

14 -سورة الأنبياء (68-69)

15 -رواه البخاري 5937 والترمذي 2255 وغيرهما

16-سورة الفجر (27-28)

17-إغاثة اللهفان بتصرف يسير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت