فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن سورة كسورة الفاتحة في عظمها ومكانتها وفضلها ينبغي أن يكثر العبد من قراءتها ويتدبر في معانيها وأسرارها عاملًا بها، حتى ينال ثواب القراءة والعمل معًا.. متعنا الله بحفظ كتابه وفهمه والعمل به.
ونذكر أولًا فضائل الفاتحة:
1.روى الإمام أحمد والبخاري -رحمهما الله- وغيرهما عن أبي سعيد بن المعلَّى -رضي اللّه عنه- قال: ( كنت أصلّي فدعاني رسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم- فلم أجبه حتى صلّيت، قال: فأتيته، فقال:(( ما منعك أن تأتيني ؟ ) )قال: قلت يا رسول اللّه إني كنت أصلي، قال: (( ألم يقل اللّه -تعالى-: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} ؟ ثم قال: ) )لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد )) قال: فأخذ بيدي فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت: يا رسول اللّه إنك قلت: لأعلمنَّك أعظم سورة في القرآن، قال: (( نعم، { الحمد للّه رب العالمين} هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ) ).
2.عن عبد الله بن جابر - رضي الله عنه -قال: انتهيت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد أهراق الماء، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد عليَّ، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يردّ عليّ، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد عليّ، قال: فانطلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمشي وأنا خلفه حتى دخل رحله، ودخلت أنا المسجد فجلست كئيبًا حزينًا، فخرج عليَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد تطهر فقال: (عليك السلام ورحمة الله وبركاته، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، وعليك السلام ورحمة الله ) ثم قال: (ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر بأخير سورة في القرآن؟) قلت: بلى يا رسول الله، قال: ( اقرأ: الحمد لله رب العالمين، حتى تختمها) رواه الإمام أحمد -رحمه الله- وقال ابن كثير: هذا إسناد جيد.1
3.وعن أبي سعيد الخدري -رضي اللّه عنه- قال: ( كنّا في مسير لنا فنزلنا، فجاءت جارية فقالت: إنَّ سيّد الحي سليم أي لديغ، وإنَّ نفرنا غُيِّب فهل منكم راق ؟ فقام معها رجل ما كنا نأْبِنُه برقية فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنًا، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية ؟ أو كنت ترقي ؟ قال: لا، ما رقيتُ إلاّ بأم الكتاب، قلنا: لا تحدثوا شيئًا حتى نأتي ونسأل رسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم- فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي -صلى اللّه عليه وسلم- فقال:(( وما كان يدريه أنها رُقْية ؟ اقسموا واضربوا لي بسهم ) )"رواه البخاري ومسلم وأبو داود"وفي بعض روايات مسلم أن أبا سعيد الخدري هو الذي رقى ذلك السليم ( وهو اللديغ) سمي بذلك تفاؤلًا بالشفاء والسلامة.
4.روى مسلم والنسائي - واللفظ له - عن ابن عباس -رضي اللّه عنهما- قال: بينا رسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم- وعنده جبرائيل، إذ سمع نقيضًا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك، فأتى النبي -صلى اللّه عليه وسلم- فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبيٌ قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ حرفًا منها إلا أوتيته ).
أسماء سورة الفاتحة وأوصافها:
ورد في الفاتحة أسماء عديدة موافقة لمعان متعلقة بها، وسنذكر الاسم مع سبب التسمية به:
1.الفاتحة: لأنها فاتحة القرآن خطًا ورسمًا، وبها تفتح القراءة في الصلوات.
2.أم الكتاب: وهذا قول الجمهور، وكره قوم تسميتها بذلك، والصحيح الجواز لما رواه الترمذي وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الحمد لله رب العالمين) أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني )) رواه أبو داود وصححه الألباني.
3.الحمد لله رب العالمين: للحديث المتقدم
4.السبع المثاني: لما تقدم
5.الحمد: لأنها مفتتحة به. ولقوله عليه الصلاة والسلام: لا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها"قال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه الألباني"
6.الصلاة: لحديث (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين...) الحديث رواه مسلم وغيره. وسميت الفاتحة صلاة لأنها ركن فيها..
وأما أوصافها فقد وصفت الفاتحة أيضًا بأوصاف منها ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم ومنها ما جاء عن بعض السلف من غير دليل ومن ذلك:
1.الرقية: لحديث أبي سعيد المتقدم في رقية سيد الحي الذي شفي بقراءتها فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما يدريك أنها رقية؟) .
2.أساس القرآن: ذكره الشعبي عن ابن عباس وقال: وأساسها بسم الله الرحمن الرحيم.
3. (الواقية) سماها بذلك سفيان بن عيينة؛ لأنها تقي العبد من الشرور.
4. (الكافية) سماها بذلك يحيى بن أبي كثير؛ لأنها تكفي عما عداها ولا يكفي ما سواها عنها، كما جاء في بعض الأحاديث المرسلة: (أم القرآن عوض عن غيرها، وليس من غيرها عوض عنها) .
5. (الكنز) . ذكره الزمجشري
الشروع في ذكر معاني كلمات الفاتحة جملةً وتفصيلًا:
قوله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم) لا نتوسع في ذكر الخلاف بين علماء المسلمين سلفًا وخلفًا في ذكر: هل البسملة آية من الفاتحة أم لا؟ وهل هي آية من كل سورة أم لا؟! بعد اتفاقهم على أنها بعض آية في سورة النمل في قوله -تعالى-: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (سورة النمل: 30) ، ونحن نذكرها على اعتبار أنها آية من هذه السورة.
فقوله: (بسم) الباء حرف جر و (اسم) اسم مجرور، وحذفت الألف لالتقاء الساكنين، وتحذف الألف في البسملة: إذا كتبت كاملة، وأما إذا لم تكتب كاملة فلا تحذف تقول (باسم الله) والجار والمجرور لا بد له من متعلق، وقد قدر العلماء هذا المتعلق اسمًا وبعضهم جعله فعلًا.. وهو مقدر بحسب المقام، ففي السورة هنا نقدره (أقرأ أو قراءتي باسم الله) . وعند دخول البيت يقدر (دخولي أو أدخل باسم) وهكذا.. وهو لا ينطق به، وفي هذا دليل واضح على فصاحة وبلاغة كلام الله من أول كلمة نبدأ بها؛ لأن كل مقام يستحب فيه ذكر الله، فلهذا قدر المتعلق، ليكون حسب المقام والمقصد.
(الله) علمٌ على الربّ -تبارك وتعالى- يقال إنه الاسم الأعظم؛ ولا يصح، وقد ورد في تعيين الاسم الأعظم غير حديث صحيح، إلا أن هذا الاسم من أجل أسمائه سبحانه إذ تنسب إليه جميع أسمائه وصفانه جل شأنه كما قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} الآيات، فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات له، وهذا الاسم لم يسم به غير الله -تعالى-، ولهذا اختلف في اشتقاقه من فَعَل يفعل، فذهب من ذهب من النحاة إلى أنه اسم جامد ليس له اشتقاق، وقيل هو مشتق من أَلَه يأله إلاهةً وتألهًا. وهو أرجح وقد ذهب إليه شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم.
{الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} : هما وصفان لله -تعالى- واسمان من أسمائه الحسنى، مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، ورحمان أشد مبالغة من رحيم، فرحمن: صيغته (فعلان) ورحيم (فعيل) كما تقول رجل كسلان أي بلغ منتهى الكسل و (شبعان) منتهى الشبع، وقولك (كريم) أي منتهى الكرم.. وهكذا..
واختلف العلماء في المراد من جمعهما في محل واحد هنا:
فقيل: (الرحمن) : صفة ذات تدل عليه، والرحيم صفة فعل متعلقة بعباده.