فهرس الكتاب

الصفحة 4022 من 9994

السادس: أن يقولوا للناس قولاً حسناً؛ لقوله: {وقولوا للناس حسناً} اختُلف في المراد بالقول الحسن، ولعل أجمع الأقوال أن القول الحسن يشمل: الحسن في هيئته؛وفي معناه، ففي هيئته:أن يكون باللُّطف، واللين، وعدم الغلظة، والشدة، وفي معناه: بأن يكون خيراً؛ لأن كل قولٍ حسنٍ فهو خير؛ وكل قول خير فهو حسن.

السابع: إقامة الصلاة؛ لقوله: {وأقيموا الصلاة} أي ائتوا بها قويمة ليس فيها نقص؛ وذلك بأن يأتوا بها بشروطها، وأركانها، وواجباتها؛ وكمال ذلك أن يأتوا بمستحباتها؛ و {الصلاة} تشمل الفريضة، والنافلة.

الثامن: إيتاء الزكاة؛ لقوله: {وآتوا الزكاة} أي أعطوها مستحقيها؛ و"الزكاة"هي النصيب الذي أوجبه الله لمستحقه في الأموال الزكوية. ومع أن الله أخذ على بني إسرائيل هذه المواثيق والعهود، وبينها لهم، فإنهم تولوا عنها وأعرضوا عنها، وكأنه لم تكن هناك عهود ولا مواثيق، وهذه هي الطبيعة اليهودية أبداً، فقال -تعالى- بعد ذلك: {ثم توليتم إلا قليلاً منكم} التولي هو: ترك الشيء وراء الظهر؛ وهذا أبلغ من الإعراض؛ لأن الإعراض قد يكون بالقلب، أو بالبدن مع عدم استدبار. قوله: {وأنتم معرضون} هذه جملة حالية؛ أي توليتم في إعراض؛ وذلك أن المتولي قد لا يكون عنده إعراض في قلبه، فقد يتولى بالبدن، ولكن قلبه مُتعلِّق بما وراءه؛ ولكن إذا تولى مع الإعراض فإنه لا يُرجى منه أن يُقْبِل بعد ذلك.

قوله: {وإذ أخذنا ميثاقكم} يذَكِّرهم الله-سبحانه وتعالى-بالميثاق الذي أخذه عليهم؛ وبين الله-تعالى- الميثاق هنا بأمرين:

الأول: قوله: {لا تسفكون دماءكم} أي لا تهريقونها. والمراد بسفك الدم: القتل بغير حق.و {دماءكم} أي دماء بعضكم؛ لأن الأمة الواحدة كالجسد الواحد.

الأمر الثاني: قوله: {ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} ؛ أي لا يُخرج بعضُكم بعضاً من داره؛ والإخراج من الوطن لاشك أنه شاقٌّ على النفوس؛ وربما يكون أشقَّ من القتل.

قوله: {ثم أقررتم وأنتم تشهدون} أي ثم بعد هذا الميثاق بقيتم عليه،وأقررتم به، وشهدتم عليه،ولم يكن الإقرارُ غائباً عنكم، أو منسياً لديكم؛ بعد هذا كله {أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} الخطاب لمن كان في عهد الرسول- صلى الله عليه وسلم-؛ وإنما وجه إليهم؛ لأنهم من الأمة التي فعلت ذلك،ورضوا به.وقوله: {تقتلون أنفسكم} أي يقتل بعضُكم بعضاً؛ {وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم} أي تجلونهم عن الديار؛ وهذا ما وقع فعلاً بين طوائف من اليهود قرب بعثة النبي- صلى الله عليه وسلم- حيث قتل بعضُهم بعضاً، وأخرج بعضُهم بعضاً من ديارهم. قوله: {تظاهرون} أي تعالَون؛ لأنَّ الظهور معناه العلوّ؛ كما قال- تعالى-: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} سورة الصف: 9. يعني ليعليه. وقيل: {تظاهرون} أي تعينون من يعتدي على بعضكم في عدوانه.قوله: {بالإثم} أي بالمعصية؛ {والعدوان} أي الاعتداء على الغير بغير حق؛ فكل عدوان معصية؛ وليست كل معصية عدواناً إلا على النفس؛ فالرجل الذي يشرب الخمر عاصٍ، وآثم؛ والرجل الذي يقتل معصوماً آثم، ومعتد؛ والذي يُخرجه من بلده آثم ومعتد؛ ولهذا قال: {تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان} ؛ فهؤلاء بعد ما أخذ عليهم الميثاق مع الإقرار،والشهادة لم يقوموا به؛ أخرجوا أنفسهم من ديارهم، وتظاهروا عليهم بالإثم، والعدوان. قوله: {وإن يأتوكم} أي يجيئون إليكم؛ {أسارى} جمع أسير؛ وتجمع أيضاً على أسرى؛ كما في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى} سورة الأنفال: 70. والأسير هو الذي استولى عليه عدوه. و {تفادوهم} أي تفكونهم من الأسر بفداء. قوله: {وهو محرم عليكم إخراجهم} يعني: تفدون المأسورين وهو محرم عليكم إخراجهم من ديارهم؛ فأنتم لم تقوموا بالإيمان بالكتاب كله؛ ولهذا قال مستفهماً استفهاماً استنكارياً توبيخياً: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} ووجه كونهم يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض أنهم كفروا بما نهوا عنه من سفك الدماء، وإخراج أنفسهم من ديارهم؛ وآمنوا بفدائهم الأسرى؛ والذي يعبد الله على هذه الطريق لم يعبد الله حقيقة؛وإنما عبد هواه؛ فإذا صار الحكم الشرعي يناسبه قال: آخذ به؛ وإذا كان لا يناسبه راوغ عنه بأنواع التحريف،والتماس الأعذار.قوله: {فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة} أي ما ثوابكم على عملكم هذا إلا خزي في الحياة الدنيا، وهو الذلُّ والصَّغَار {ويوم القيامة} أي يوم البعث. {يردون إلى أشد العذاب} أي أعظمه {وما الله بغافل} نفى الله-سبحانه وتعالى-عن نفسه صفة الغفلة؛وذلك لكمال علمه، ومراقبته؛ وهذه من الصفات السلبية التي يُنزه الله عنها، و {عما تعملون} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت