قوله: {أولئك} المشار إليهم هؤلاء اليهود الذين نقضوا العهد؛ {اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة} أي اختاروا الدنيا على الآخرة؛ فالآخرة عندهم مزهود فيها مبيعة؛ والدنيا مرغوب فيها مشتراة.وقوله: {بالآخرة} الباء هنا للبدل؛ وهي تدخل دائماً على الثمن، كقولهم:"اشتريت الثوب بدينار". قوله: {فلا يخفف عنهم العذاب} أي لا يهوَّن عنهم لا زمناً، ولا شدة، ولا قوة؛ {ولا هم ينصرون} أي ولا أحد يمنع عنهم عذاب الله.
بعض فوائد الآيات:
1.أن التوحيد جاءت به الرسل جميعاً؛ لقوله: {لا تعبدون إلا الله} ، وقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} سورة النحل:36.
2.عظم حق الوالدين حيث قرن الله حقهما بتوحيده، وقرن شكره بشكرهما؛ فقال- تعالى-: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} سورة الإسراء: 23. وقال: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} سورة لقمان:14.
3.وجوب الإحسان إلى ذوي القربى،وإلى اليتامى والمساكين،وذلك يشمل الإحسان بالفعل والقول،وترك الإساءة إليهم قولاً أو فعلاً.
4.الحث على التخلق بمكارم الأخلاق، فعلى الإنسان أن يكون قوله للناس ليناً، ووجهه منبسطاً طلقاً.
5.وجوب إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة على الوجه المطلوب شرعاً.
6.أن بني إسرائيل مع هذا الميثاق الذي أخذه الله عليهم لم يقوموا به إلا القليل منهم.
7.أن بني إسرائيل أُخذ عليهم تحريم قتال بعضهم بعضاً؛ وتحريم إخراج بعضهم بعضاً من ديارهم، ولكنهم تمردوا وتولوا، ونقضوا المواثيق التي أخذت عليهم، فصار يقتل بعضهم بعضاً، ويخرج بعضهم بعضاً من ديارهم.
8.توبيخ من اختار الدنيا واستحبها وفضلها على الآخرة؛ وهو مع كونه ضلالاً في الدين؛ فإنَّه يدل على سفه في العقل؛ فإنَّ الدنيا متاعها قليل ثم يفنى؛ والآخرة خير وأبقى1. والله أعلم، والحمد لله رب العالمين
1-راجع:"انظر: جامع البيان في تأويل القرآن لمحمد بن جرير الطبري (1/287- 320) . ط: دار الكتب العلمية -بيروت- لبنان. الطبعة الأولى (1421هـ) ."و"الجامع لأحكام القرآن"للقرطبي (1/330- 376) . الطبعة الثانية. وتفسير القرآن العظيم"للحافظ ابن كثير (1/79-85) . ط: دار الحديث القاهرة. الطبعة السادسة. (1413هـ) . مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة."و"فتح القدير"للشوكاني (1/115- 128) . المكتبة التجارية. مصطفى أحمد الباز. مكة المكرمة. الطبعة الثانية. و"تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"لابن سعدي (1/55- 59) . طبع ونشر وتوزيع دار المدني بجدة. (148هـ) . و"تفسير ابن عثيمين"المجلد الأول. و"أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير"لأبي بكر الجزائري (1/48- 52) . الطبعة الأولى الخاصة بالمؤلف (1414هـ) .""