وإذا جاوز أهل الإيمان القنطرة، إذا جاوزوا الصراط اجتمعوا دون الجنة فتأخر الأغنياء، تأخر الأغنياء عن دخول الجنة بنصف يوم، يعني بخمس مائة سنة، ويدخل الفقراء الجنة أول الأمر لأن حقوق المال عظيمة ولأن حقوق ما آتى الله عباده فيها أمر شديد وفيها حساب، فيؤخر الأغنياء حتى يُعطى الناس منهم حقوقهم، وعند ذلك يحصل بلوغ المنازل لهم ثم يدخل أولئك الأغنياء، يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمس مائة عام وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون [الحج:47] ، ثم يدخل أهل الجنة الجنة، ودرجاتهم متفاوتة، وإن منهم لمن يتراءى درجة إخوانه كما نرى اليوم الكوكب الدري الغابر في السماء، نرى بصيص نوره ولا نرى ما فيه لأجل شدة ارتفاعه، وإن من الناس من هم مع الأنبياء ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ذلك الفضل من الله [النساء:69-70] .
أيها المؤمن: إن الإيمان باليوم الآخر لابد أن نتيقنه، وما يحصل فيه يجب أن يكون في قلوبنا من غير شك ولا مرية، نرى الجنة أمامنا دائماً لا تغيب عنا، ونرى النار بهولها وعذابها وما فيها، نراها دائماً لا تغيب عنا، وهذه العقيدة، وهذا الإيمان يثمر في قلب المؤمن الرجاء في أن يكون من أهل الجنة فيحمله رجاؤه على طاعة الله وعلى خوف الله وعلى أن يأتي ما لم يأذن به الله جل وعلا، فترى الذي يخاف الدار الآخرة مراقباً لنفسه فيأتي الواجبات مسرعاً مطيعاً من الصلاة والزكاة والصيام والحج، وكذلك ما أمر الله به من أداء الأمانة، وكذلك ما أمر الله به من العدل في الناس، وكذلك ما أمر الله جل وعلا به من أنواع الأوامر في التعامل مع النفس ومع الأهل في البيت ومع المسلمين ومع غير المسلمين.
إن لله في ذلك كله أوامر فيرى المؤمن الذي يرى أمامه الجنة والنار، يرى أمامه تطاير الصحف ويرى أمامه الميزان والصراط وذلك الهول مما سمع في القرآن والسنة، يرى أن نفسه لابد أن يلزمها بتقوى الله، والمؤمن الذي يعي ذلك فيجد نفسه عظيمٌ عليها أن يخالف أمر الله جل وعلا، يرى نفسه عظيمٌ عليها أن تخالف الحق أو أن تأتي الباطل، إن الاعتقاد بهذه النار وبوجودها وبأنه يدخلها الكفار وبأنه يدخلها العصاة إن لم يغفر الله لهم - وذلك في حق غير التائبين -، إن لم يشأ الله مغفرته لهم فإنهم يعذبون في ذلك، وعذاب النار من يصبر عليه.
ويتذكر المؤمن أن من أولئك الذين يعذبون من يقول الكلمة لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في النار سبعين خريفاً، يلقي الرجل الكلمة وتلقي المرأة الكلمة لا تلقي لها بالاً تظن أنها سهلة وهي تهوي بها في النار سبعين خريفاً، وقد جاء أن من الناس من يقرب من الجنة فيلقي كلمة، يتكلم بكلمة لا يدري ما فيها يتباعد كما جاء في الأثر عن الجنة كبعد صنعاء عن المدينة، وهذا من شدة أثر الكلام لأنه نوع من أنواع ما يحاسب به العبد.
كذلك أعمال القلوب من الصالحات كالإيمان والتوكل والرغبة فيما عند الله وخشية الله والبكاء من خشية الله وكتعلق القلب بالله وبأوامره هذا يؤجر عليه فيسعى المؤمن إليه، وأعمال القلوب المحرمة يراها من الكبر وسوء الظن والمسلمين من غير حجة، وكذلك من أنواع الإعجاب بالنفس وتزكية النفس ونحو ذلك من أعمال القلوب المحرمة يراها تعظم عليه، وقد قال بعض أهل العلم: رب طالح كان أعظم عند الله من فاعل طاعة، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: ذاك عمل بمعصية فلم تزل في قلبه عظيمة يتعاظمها في حق الله حتى يغفر الله له، وذلك صالح عمل بطاعة فما زال يتعاظم فعله ويعجبه ذلك ويتكبر به ولا يجل من ربه ويخاف منه حتى يحبط الله عمله.
فالأمر - أيها المؤمن لأنك مؤمن بالآخرة - الأمر خطير، والناس في غفلاتهم، وأعظم ما يعاقب به القلب أن يكون غافلاً لا يتذكر الجنة ولا يتذكر النار، لا يتذكر اليوم الآخر، تذكر قول الله جل وعلا: وجيء بالنبيين والشهداء [الزمر:69] يشهد النبيون والشهداء أنه قد أقيمت الحجة على عباد الله كما قال الله سبحانه: فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين [الأعراف:6] يسأل الله جل وعلا المرسلين: هل أديتم؟ هل بلغتم الأمانة؟ فيقولون: يا رب، اللهم قد بلغنا. ويسأل الذين أرسل إليهم: هل بُلِّغتم الأمانة؟ وهل أتتكم رسل فأعلمتكم بما أمرت ونهيت؟ فيقول الذين أرسل إليهم: نعم يا رب بلغنا، قال الله جل وعلا بعد ذلك: والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون [الأعراف:8] .