فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أما بعد:
فإنّ فضل الله واسع، ورحمته سبقت غضبه، وهو الغني المغني، صاحب الجود والكرم، وإليه الأمر من قبل ومن بعد، وله الحكم وإليه ترجعون، امتن على المؤمنين من عباده بأن وفقهم لطاعته، واجتناب معصيته، ثم أثابهم على الطاعة بدخول جنته، والفوز برضوانه، والاستظلال تحت ظل عرشه، في يوم لا ظل فيه إلا ظله، كما جاء في حديث - الذي لنا وقفة معه - وهو عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"سبعة يظلهم الله - تعالى- في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلقٌ في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقةٍ فأخافها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه"1.
الشرح:
قوله:"سبعة"ظاهره اختصاص هؤلاء السبعة بالثواب المذكور، وهو الاستظلال تحت ظل الله يوم لا ظل إلا ظله، وقد وجهه الكرماني بأن الطاعة إما أن تكون بين العبد وبين الرب، أو بينه وبين الخلق، فالأول باللسان، وهو الذكر، أو بالقلب وهو المعلق بالمسجد، أو بالبدن وهو الناشئ في العبادة.. والثاني عام وهو العادل، أو خاص بالقلب وهو التحاب، أو بالمال وهو الصدقة، أو بالبدن وهو العفة2.
وذلك لأنه قد جاء في أحاديث أخرى ذكر أكثر من هذه السبعة؛ من هذه الأحاديث ما هو صحيح ومنها ما هو غير ذلك.. وقد أفرد الإمام ابن حجر ذكر الخصال المذكورة في حديث السبعة، وذكر غيرها من الخصال في جزء سماه"معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال"3.
قال ابن حجر- رحمه الله -: وقد نظم السبعة العلامة أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل فيما أنشدناه أبو إسحاق التنوخي إذنًا عن أبي الهدى أحمد بن أبي شامة عن أبيه سماعًا من لفظه قال:
وقال النبي المصطفى إن سبعة ... يظلهم الله الكريم بظله
محب عفيف ناشئ متصدق ... وباكٍ مصلٍ والإمام بعدله
يقول ابن حجر معقبًا على البيتين السابقين لأبي شامة:
وزد سبعة إظلال غاز وعونه ... وإنظار ذي عسر وتخفيف حمله
وإرفاد ذي غرم وعون مكاتب ... وتاجر صدق في المقال وفعلة 4
ثم ذكر أنه قد جاءت أحاديث أخرى تذكر غير هؤلاء المذكورين، ولكنها ضعيفة.
وقد يقال أن ذكر السبعة هنا مفهوم عدد، ومفهوم العدد لا يدل على الحصر.
وهؤلاء السبعة غير مختصين بالرجال فحسب، بل أنه يشمل النساء في جميع ما ذكر من ثواب السبعة الأصناف المذكورة في الحديث، ولكن النساء يستثنين من خصلة واحدة وهي الإمامة العظمى، فإنه من غير المباح للنساء شرعًا أن يتولين الولاية العامة على المسلمين.
ومن النكات العدد سبعة وملحه العجيبة، أن الله خلق سبع سموات طباقًا، وذكر ذلك سبع مرات في آيات مختلفة، ومدار الزمن على سبعة أيام، وأكرم نبيه بالسبع المثاني، وهي سورة الفاتحة، وقد ورد العدد سبعة في كثير من العبادات، فالطواف حول الكعبة سبع مرات، والسعي بين الصفا والمروة سبع مرات، ورمي الجمرات بسبع حصيات، وقد نزل القرآن على سبعة أحرف كما ورد في الحديث، وشهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله عدد كلماتها سبع، ومن تصبح سبعًا من عجوة المدينة لم يضره سحر ولا سم، وغيرها من النكات والملح العجيبة.
قوله:"يظلهم الله في ظله"يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هناك أصناف من الناس يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وإضافة الظل إلى الله إضافة تشريف، ليحصل امتياز هذا على غيره؛ كما قيل للكعبة بيت الله مع أن المساجد كلها ملكه 5.
ففي ذلك اليوم الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين، وتدنو الشمس منهم حتى تكون على قدر ميل، ويلجمهم العرق إلجامًا، ويشتد كربهم، ويزداد خوفهم وفزعهم. في ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة، تظلل ثلة من المؤمنين الموحدين الصادقين بظل عرشه سبحانه يوم لا ظل إلا ظله، وتؤمن مما يخاف الناس منه!
ولعلّك أخي تقول: من هم هؤلاء الأصناف السبعة لعلي أن أعمل بما يعملون فأكون ممن يستظلون تحت ظل الله يوم لا ظل إلا ظله؟ فأقول لك أسوقهم على ترتيبهم كما جاء ذكرهم في الحديث.
الصنف الأول: قوله:"إمام عادل"عادل اسم فاعل من العدل، والمراد به صاحب الولاية العظمى، ويلتحق به كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين فعدل فيه، ويؤيده ما جاء في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه رفعه:"أن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا"6.
وأحسن ما فسر به العادل أنه الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط 7.
هذا الإمام العادل هو الذي لا يحكم إلا بالحق، ولا يظلم عنده أحد، ولا يحابي أو يجامل في الحق أحدًا، ولو كان من أعز الخلق عليه، وأحبهم إليه، يرى القوي ضعيفًا حتى يأخذ الحق منه، والضعيف قويًا حتى يأخذ الحق له، لا فرق عنده بين قريب وبعيد، وسيد ومسود، في معاملتهم بالحسنى، والرفق بهم، والإحسان إليهم، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في إحدى خطبه المنبرية: أيها الناس! قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقدّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه، والقوي ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق إن شاء الله - تعالى-، لا يدع منكم الجهاد، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله. والإمام العادل هو الذي يعتبر رعيته كأبنائه فيما لهم من العطف والحنان، والتربية الصالحة، فيعلم جاهلهم، ويواسي فقيرهم، ويربي صغيرهم، ويعالج مريضهم، ويكرم حاضرهم، ويحفظ غائبهم في أهله وماله، لأن ذلك من أداء الأمانة كما قال تعالى: { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } 8.
وقال علي رضي الله عنه: حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك، فحق الناس أن يسمعوا له، وأن يطيعوا، وأن يجيبوا إذا دعوا 9.
ما من رجل ولي عشرة إلا أتي به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه حتى يقضى بينه وبينهم10، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنوهم ويعلنونكم"قالوا: يا رسول الله: أفلا ننباذهم؟ قال:"لا ما أقاموا فيكم الصلاة"11.
ولن يظل الله يوم القيامة بظل عرشه إمامًا مستبدًا، أو ملكًا جبارًا، أو أميرًا جائرًا، يتسلط بجبروته على المسلمين، فيذل من أعزه الله، أو يعز من أذله الله 12.
الصنف الثاني: قوله:"وشاب نشأ في عبادة الله"خص الشاب بالذكر؛ لأن الشباب يغلب عليه الشهوة، ولما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى.
فهو شاب في رعيان شبابه، ولكنه تفرد وتميز عن بقية الشباب الذين نشأوا وتربوا وترعرعوا وشابوا وهرموا في عبادة الشيطان، ومتابعة الأغاني والألحان، والتسكع في الأسواق والطرقات، ومعاكسة الفتيات، وهجر القرآن ومشاهدة البرامج والمسلسلات وسماع الغناء والألحان!