احذروا الظلم ؛ فإن هذا العدوان ظلم توقعه على أخيك المسلم ، تظلمه بما قد تكون قد قلته في حقه وليس بصحيح ، أو ظننته وليس بواقع ، أو كان صحيحاً ولكنك حرمت أخاك النصح ، والرفق واللين الذي ينبغي أن يكون منك ، والستر الذي ندبت إليه، والعلاج الذي ينبغي أن تتدرج عليه ، وتترفق به ، وتصبر عليه ، وان كان من وراء ذلك نوع من غلظة وشدة فهي أيضاً في لسان الشرع لها ضوابطها ، ولها مواقعها ، ولا تنكر إن كانت في هذا الباب .
ولاشك أن من أعظم الظلم الوقوع في أعراض المسلمين ، وهذا أحد الكتّاب له كلمات فيها عظة:"أيها الظالمون الواقعون في أعراض المسلمون .. أيها المبترون اعلموا أنكم محاسبون ، وأنكم واقفون بين يدي الله ، وليس بينه وبينكم ترجمان ، كيف ارتضيتم لأنفسكم الافتراء على المسلمين ، والوقوع في أعراضهم ، وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا ؟ ويحكم هل أنتم مسلمون ؟ أما قرأتم قول الله عز وجل: { والذين يؤذون المؤمنون والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثما مبيناً } ؟ أما قرأتم قول الله تعالى: {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } ؟ أما قرأتم قوله تعالى: {ما للظالمين من نصير } ؟ أما تخشون أن تقام عليكم الحدود يوم القيامة ؟ اسمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد إلا أن يكون كما قال ) [متفق عليه ] .. أيها الآثمون اسمعوا حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام: ( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ) ".
وأيضا هذا كما قلنا باب عظيم ينبغي أن ننتبه له ، وفيه حديث عن عائشة عن النبي عليه الصلاة والسلام: ( الظلم ثلاثة: فظلم لا يتركه الله ، وظلم يُغفر ، وظلم لا يغفر ، فأما الظلم الذي لا يغفر فهو الشرك لا يغفره الله ، وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد فيما بينه وبين ربه ، وأما الظلم الذي لا يُترك فظلم العباد يقتص الله لهم من بعضهم البعض ) ذكره الألباني في السلسلة الصحيحة ، ولعلنا نكتفي بهذا في تذكير المعتدين ففي هذا غنية عن غيره ، والباب في هذا يطول .
مواقف السامعين من العدوان
1 ـ الذب عن عرض المسلم .
2 ـ تذكير الواقع في عرض أخيه المسلم .
3 ـ إحساسه بعدم موافقته ، وعدم مسايرته ، فضلاً عن الخوض معه . ولذا أوصى بعضهم بوصايا ، بأنه ينبغي لك أن لا تفتح لهذا أذنيك ، وأن لا تهش له وتبش ؛ حتى لا يظن أنك بكلامه سعيد ، وأنك له مؤيد وموافق .
4 ـ تذكيره بتقوى الله وما هو واقع فيه، وتذكيره بأحاديث الوعد والوعيد .
5 ـ الجمع بينه وبين من يقدح فيه ويذمه ؛ حتى يجتلي الحق ، ويقع النصح موقعه، ويتسامح الطرفان .
فإن ثبت كذبه وافتراءه وعدم رغبته في إيقاع النصح موقعه إن كان ثمة خطأ .
6 ـ الغلظة في معاملته ؛ حتى يزدجر عن مثل فعله . ويذكّر المرء في مثل هذا بقوله سبحانه وتعالى: { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون } وقد ذكَّر النبي بهذه الآية في الحديث الذي بيّن فيه سيرة بني إسرائيل ، وأنه لا يمنع أحدهم أن يكون أكيله ، وقعيده ، وشريبه فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوبهم بعضهم ببعض .
ثم وصية مهمة ، وهي أنه ليس من مهمتك ، وليس من أدب المسلم أن يكون نقاداً للكلام ، فكلما حضر مجلس نقل قول فلان في فلان ، أو نقل الأقوال في قضية أو مسألة ، أو نحو ذلك لا يكون هذا دأب المسلم بل كما قيل: حسب المرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع .
وكذلك ينتبه المرء الذي يعلم أنه لا يحفظ الكلام حفظاً دقيقاً، أو أنه لا يحسن فهمه وتنزيله مواقعه ، فكم من إنسان ربما سمع من عالم فتوى أو قول لم يحفظه أو لم يفقهه فنقله على غير نقله فأساء من حيث أراد الإحسان ، وربما وقع بنقله الوقيعة ، وحصل من ذلك ما لا تحمد عقباه ، وهو عن ذلك غافل وغير منتبه .
وأيضا ينبغي لأولئك السامعين أن ينهجوا نهج أسلافنا ؛ فإن البخاري ذكر أنه لم يكن يرضى أن تذكر في مجلسه غيبة مطلقاً ، ولا يسمح بذلك ، ولا يقبل به ، ولا يفتح الأبواب ؛ حتى يكون كل منا عوناً على سدّ هذه الأبواب .
وصايا إلى من وقع عليه العدوان
ثم ننتقل أخيراً إلى بعض الوصايا إلى من قد يكون وقع عليه ذلك الأذى والظلم
وقبل ذلك أيضاً نذكر تذكرة ببعض الأصول التي ذكرها الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله:
الوصية الأولى: تحريم النيل من عرض المسلم ، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة في إطار الضروريات الخمس التي من أجلها الشرائع ، ومنها حفظ العرض .
الوصية الثانية: الأصل بناء حال المسلم على السلامة والستر ؛ لأن اليقين لا يزيله الشك وإنما يزال اليقين بيقين مثله .