فهرس الكتاب

الصفحة 4052 من 9994

الوصية الثالثة: لا يُخرج عن هذين الأصلين إلا بدليل مثل الشمس في رائعة النهار على مثلها فاشهد أو دع ، ضرورة التثبت، فالتزم واجب التبين للأخبار ، والتثبت منها إذ الأصل البراءة ، فكم من خبر لا يصح أصلاً ، وكم من خبر صحيح لكن حصل عليه من الإضافات لا يصح أصلاً أو بدل أو حرف، وبالجملة فلا تقرر المؤاخذة إلا بأن تأذن لك الحجة ويقوم عندك قائم البرهان كقائم الظهيرة .

الوصية الرابعة: من تجاوزهما بغير حق متيقن ، فهو خارق لحرمة الشرع بالنيل ظلما من عرض أخيه المسلم ، وهذا مفتون .

الوصية الخامسة: يجب أن يكون المسلم على جانب كريم من سمو الأخلاق وعلو الهمة ، وأن لا يكون معبراً تمرر عليه الواردات والمختلقات ، وهذه وصية نفيسة .

الوصية السادسة: يوجد أفراد شغلهم الشاغل تطيير الأخبار كل مطار ، يتلقى لسان عن لسان، بلا تثبيت ولا روية ثم ينشر بفمه .. بلسانه بلا وعي ولا تعقل فتراه يقذف بالكلام ويطير به هناك ، فاحذر طريقتهم ، وادفع في وجهها واعمل على استصلاح حالهم ، ومن وقع في حبالهم فعليه سل يده من رابطتهم .

الوصية السابعة: التزم الإنصاف الأدبي بأن لا تجحد ما للإنسان من فضل وإن أذنب فلا تفرح بذنبه ولا تتخذ الوقائع العارضة منهية لحال الشخص ، واتخاذها رصيد ينفق منه الجراح في الثلب والطعن . وأن تدعو له بالهداية ، أما التزيد عليه ، وأما البحث عن هفواته وتصيدها فذنوب مضافة ، والرسوخ في الإنصاف بحاجة كبير من خلق رفيع ، ودين متين ، فاحذر قلة الإنصاف

ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم

ثم ننبه أيضا إلى بعض التنبيهات المهمة في هذا الباب ، ونختم هذا كما قلنا بما يذكَّر به المؤمن الذي قد يتعرض لمثل هذا الأذى ، ومن ذلك أن يحتسب هذا البلاء في طريق دعوته ، وإخلاصه ، وإصلاحه ، وسعيه في الخير بين الناس ؛ فإن النبي - عليه الصلاة والسلام - وهو من هو قد رمي بما هو أفظع وأعظم من ذلك ، واتهم بتهم باطلة زائفة ، وقيل فيه أنه ساحر ، وأنه مجنون ، وأنه كذاب ، وانه كذا كذا ..

تنبيهات عامة للمعتدى عليه

أولاً: الصبر هو باب عظيم من أبواب تحصيل الأجر فليحتسب وليصبر أولاً .

ثانياً: أن يدرك عواقب الأمور ، وأنه إن شغل نفسه بمثل هذا القول ؛ فإنه سيخوض مع الخائضين، ويقع فيما يحذر منه ، وسينفق وقته وجهده أيضاً فيما ينفق فيه الآخرين الوقت والجهد، فينصرف عن البناء ، وعن بذل الخير ، وعن المضي نحو صلاح الأمة ونفعها إلى أمور جانبية عارضة لا يستفيد منها ، ولا تستفيد منها الأمة المسلمة .

ثالثاً: أن يعلم أنه مطالب بالإصلاح ، فلئن كان يصلح عموم الناس ؛ فإن المتعرضين له بالأذى أولى أن يصرف لهم بعض دعاءه ، وجهده ، ونصحه ، وإرشاده وإصلاحه ؛ فإنه يكون أثر ذلك أبلغ ، فهذا الأعرابي الذي جاء يجذب النبي - صلى الله عليه وسلم - من رداءه ، ويقول: يا بني عبد المطلب إنكم قوم مطل ، فيشتد عليه عمر بن الخطاب فيقول له عليه الصلاة والسلام: ( كان أولى بك أن تذكره بحسن القول وتذكرني بحسن الأداء ) أو كما قال عليه الصلاة والسلام .. عندما يكون المعتدى عليه صاحب الحلم ، وهو صاحب الصفح ، وهو المبادر بالإحسان لا شك أن هذا أبلغ في الإحسان { ادفع بالتي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم }

وذي رحم قلمت أظفار ضغنه بحلمي عنه وهو ليس عنده حلم

ينبغي للإنسان أن يتنبه لذلك وأن يحرص عليه، ولا شك أيضاً أن ينتبه إلى ما ذكرناه من مخططات الأعداء فيفوّت عليهم الفرصة ، ويكون من الوعي بمكان ، ومن الإدراك لحال الأمة، وأنها ينبغي أن لا تبدد طاقاتها وأوقاتها في مثل هذه المهاترات ، وأن يكون سامي الفكر .. عالي القدر .. نيّر الرأي ، فلا يخوض أو يجنح عن جادة الصواب، ولنا في قصة موسى وحواره مع فرعون في سورة الشعراء مثل في هذا ، فقد كان فرعون يأتي بأمور جانبيه ليدخل موسى في مناقشات ومهاترات ، وكان موسى يمضي إلى تقرير الحق ، وتثبيت الوحدانية ، والدعوة إلى التوحيد ، وفي قصة الخليل مع نمرود دروس وعبر تستفاد في هذا الباب .

وأيضا نذكر أنفسنا بمثل ما يذكر به أن هذا الباب ، فقد كان فيه من أهل الفضل والصلاح والأئمة والعلماء وأسلاف كثيرون وقع عليهم مثل هذا الأذى ، ونيل من أعراضهم ، وكانوا في مواقفهم ، وفي علو هممهم ، وترفعهم عن الدنايا ، ونقاء قلوبهم ، ورجاحة عقولهم ، ما هو موضع عبرة لنا وما يكونون لنا به قدوة و أسوة حسنة لنا، وقد ذكر الشيخ بكر أبو زيد في كتابه بعض الأمثلة العجيبة عن الإمام الشاطبي وعن غيره من العلماء .

ونقول في جماع تذكير المتضررين من مثل هذا الأمر أن عليهم أموراً نذكر منها:

1 ـ ما يجب على المتضررين من العدوان الاستمساك بما عليه من الحق ، وإن كثر من عارضه فيه ، أو عيّره فيه ، ونحو ذلك ؛ فإنه ينبغي له أن يستفيد مما يسمع ؛ فإن رأى أنه على الحق ثبت عليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت