فهرس الكتاب

الصفحة 4053 من 9994

2 ـ لا يبتئس ولا يحزن لما يسمع من تلك المقالات ؛ حتى لا يؤثر ذلك على نفسه ، كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام: { إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون } .

3 ـ ليحرص أن لا يشوب قلبه البغضاء ، وأن يحيد عن الصفاء والنقاء ، وأن يحيد عن إرادة الخير للمسلمين وإن كانوا من المعتدين .

ولعلي أذكر مثال واحد في جمل عديدة تبين لنا بعض ما كان عليه حال بعض العلماء من السابقين، فهذا الإمام عبد الرحمن بن بطة الحافظ يحكي عن نفسه فيقول:"عجبت من حالي في سفري وحضري مع الأقربين ، والأبعدين ، والعارفين ، والمنكرين ؛ فإني وجدت في مكة وخراسان وغيرهما من الأماكن ، أكثر من لقيت بها موافقاً أو مخالفاً ، دعاني إلى متابعته إلى ما يقول ، وتصديق قوله ، والشهادة له ، فإن كنت صدقتّه فيما يقول وأجزت له ذلك فيما يقول ، سماني موافقاً كما يقول أهل هذا الزمان ، وإن وقفت في حرف من قوله أو في شيء من فعله سماني مخالفاً ، وإن ذكرت في واحد منه أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك وارد سماني خارجياً ، وإن قرأت عليه حديثاً في التوحيد سماني مشبهاً ، وإن كان في الرؤية سماني سالمياً ، وإن كان في الإيمان سماني مرجئياً ، وإن كان في الأعمال سماني قدرياً ، وإن كان في المعرفة سماني كرّامياً ، وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر سماني ناصبياً ، وإن كان في فضائل أهل البيت سماني رافضياً ، وإن سكتّ عن تفسير آيه أو حديث فلم أجب إلا بهما سماني ظاهرياً ، وإن أجبت بغيرهما سماني باطنياً ، وإن أجبت بتأويل سماني أشعرياً ، وإن جحدتهما سماني معتزلياً ، وإن كان في السنن مثل القراءة سماني شافعياً ، وإن كان في القنوت سماني حنفياً ، وإن كان في القرآن سماني حنبلياً ، وإن ذكرت رجحان مذهب ما ذهب إليه واحد من الأخيار إذ ليس في الحكم والحديث محاباة قالوا تجنبت تزكيتهم ، ثم أعجب من ذلك أنهم يسمونني فيما يَقرأون عليّ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشتهون من تلك الأسامي ، ومهما وافقت بعضهم عاداني غيرهم ، وإن داهنت جماعتهم أسخطت الله ، ولن يغنوا عني من الله شيئاً ، وإني مستمسك بالكتاب والسنة وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو الغفور الرحيم".

ولا شك أن رضى الناس - وخاصة عند الأخطاء - أمر لا يدرك ، ولا يقبل ، ولا يسعى إليه أيضاً، وأيضاً أحب أن أختم بأن هذا الذي ذكرناه في باب الأخطاء ، وفي موارد الزلل ، وأما الإنكار المشروع ، وأما النصح والذم للأفعال الخاطئة وأما ما استثني ـ كما قد رأيت في بعض الأسئلة من أمور أبيح فيها ذكر بعض الناس أو ذكر الغيبة - فهذه الأمور بضوابطها، ولم نقصد في هذا الموضوع التفريع على كل هذه المسائل، وظاهر في سياق الحديث أن المقصود بما ألمحنا إليه من هذه الأفعال هو ما كان مذموماً في ميزان الشرع ، دون ما كان له وجهٌ مشروع ؛ فإن المشروع قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام ، وأخذ به الصحابة ، وسار عليه سلف الأمة ، ولكنا قد رأينا فيما يظنه بعض الناس صواباً أوقعوه موقع الخطأ ، فكان فيه مثل هذا الأمر الذي استدعى مثل هذا التنبيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت