فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 9994

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وسار على منهجه إلى يوم الدين.. أما بعد:

من الأمور التي يجب التنبيه عليها ما يحصل في هذا الزمن من التجرؤ على أحكام الشريعة الإسلامية، وبيان زيغ الزائغين، وإلحاد الملحدين، وتفلت المنحلين من الأخلاق، ذلك ما يشيعونه في البلدان الإسلامية من ضرورة خروج المرأة ومزاحمتها للرجال، في أماكن العمل والتعليم، وأماكن الدخول والخروج، وفي الأسواق وغيرها من الأماكن، وهذه الدعوات المسمومة يهدفون من ورائها: أن تصل المجتمعات المسلمة إلى ما وصلت إليه المجتمعات الأوربية والأمريكية وغيرها من التحلل والتفسخ والميوعة، وانتشار الفوضى الجنسية والأمراض القاتلة، فكما أن داء الفواحش انتشر عندهم سريعًا وبشكل مفجع كأمراض الإيدز والزهري، أرادوا تصديره إلى بلاد الشرق، حتى تصاب بمثل ما أصيبت به بلدانهم، ولا يتم ذلك إلا عن طريق الزنا أو اللواط أو السحاق، وهذه الخبائث منتشرة في الغرب، بل أصل حياتهم مبني على هذا، فهم مصدرو الأفلام الجنسية، والمواقع الإباحية على الإنترنت والقنوات الفضائية، وهذه الفواحش لا تتم إلا إذا تميعت المجتمعات واختلط الرجال بالنساء؛ مما يسهل للذئاب البشرية اصطياد الفريسة وجرها إلى الفخ القاتل! ولقد طبقت كثير من المجتمعات -التي تزعم الإسلام وهي عنه بعيدة- هذا السلوك الشائن، فراحوا يقلدون الغرب في كل ما هو عليه من الميوعة والاختلاط والتفسخ والتهتك، فظهرت فيهم الفواحش المعلنة، والأمراض المهلكة، التي تخجل تلك الدول من إعلان نتائج الإصابات بها، حتى لا يحصل الخوف لمن يمارس تلك الجرائم التي تهلك الحرث والنسل..

وإذا كان الاختلاط هو أخطر الأسباب التي تؤدي إلى ظهور الفواحش؛ وذلك لسهولة التلاقي بين الرجل والمرأة، وسهولة إجراء موعد للتلاقي بينهما، بخلاف ما لو منع الاختلاط، فإنه حينئذ سيخف معدل الجريمة جدًا.. إذا كان الأمر كذلك فإن الله قد حرم الاختلاط بين الرجال والنساء؛ ذلك لما يجره من ويلات ونكبات ومصائب عاجلة وآجلة. ولقد انهارت حضارة أمم كثيرة بسبب التميع والانحلال، وإننا لنرى الحضارة الغربية قد أشرفت على الانقراض العاجل الذي لا مفر منه؛ لأنهم أعلنوا بالفجور على مستوى الشعوب والحكومات.. وسنة الله في الحياة اقتضت إهلاك من أعلن الفجور وتبجَّح به، عن عبد الله بن عمر قال: أقبل علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (( يا معشر المهاجرين: خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا. ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم ) )1. والشاهد في الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لم تظهر الفاحشة في قوم قط) .. إلى قوله ( الذين مضوا) . ومعلوم انتشار الأمراض القاتلة التي لم تكن معروفة من قبل بسبب الفواحش، مثل: الإيدز والهربس والزهري..

يقول الشيخ مصطفى السباعي: ( فمن المعلوم في تاريخ أوروبا أن من أكبر أسباب انهيار الحضارة اليونانية تبرج المرأة ومخالطتها للرجال ومبالغتها في الزينة والاختلاط، ومثل ذلك حصل تمامًا للرومانيين، فقد كانت المرأة في أول حضارتهم مصونة محتشمة، فاستطاعوا أن يفتحوا الفتوح، ويوطنوا أركان امبراطوريتهم العظيمة، فلما تبرجت المرأة وأصبحت ترتاد المنتديات والمجالس العامة وهي في أتم زينة وأبهى حلة: فسدت أخلاق الرجال وضعفت ملكتهم الحربية وانهارت حضارتهم انهيارا مريعًا) 2.

تقول دائرة معارف القرن التاسع عشر:

( كان النساء عند الرومانيين محبات للعمل مثل محبة الرجال له، وكن يشتغلن في بيوتهن، أما الأزواج والآباء فكانوا يقتحمون غمرات الحروب، وكان أهم أعمال النساء بعد تدبير المنزل: الغَزْل، وشغل الصوف.. ثم دعاهم بعد ذلك داعي اللهو والترف إلى إخراج النساء من خدورهن؛ ليحضرن معهم مجالس الأنس والطرب، فخرجن كخروج الفؤاد من بين الأضاليع، فتمكن الرجل لمحض حظ نفسه من إتلاف أخلاقهن، وتدنيس طهارتهن، وهتك حياتهن، حتى صرن يحضرن المراقص ويغنين في المنتديات، وساد سلطانهن، حتى صار لهن الصوت الأول في تعيين رجال السياسة وخلعهم! فلم تلبث دولة الرومان على هذه الحالة حتى جاءها الخراب من حيث تدري ولا تدري!) ثم قالت دائرة المعارف:

( إنا لسنا أول من لاحظ هذا الأثر السيئ الذي يحدثه حب النساء للزينة يومًا فيومًا على أخلاقنا، فأن أشهر كُتَّابنا لم يهملوا الاشتغال بهذا الموضوع الخطير، فكيف النجاة من هذا الداء الذي يقوض مدنيتنا الحالية ويهددنا بسقوط سريع جدًا ! وإن شئت فقل بانحطاط لا دواء له!!) 3

وهذه رسالة نوجهها إلى دعاة التغريب وتدمير المرأة، رسالة ممن جرب حياة الاختلاط وما تجره من ويلات ونكبات، فهذا اعتراف واضح منهم بخطورة هذا الأمر الذي يدعو إليه أبناء جلدتنا من المغرورين بالحضارة الغربية، التي شارفت على الهلاك والانتحار، رسالة لم نكتبها بأيدينا نحن، بل كتبها أولئك الذين تألموا وتضايقوا من الحياة التي لم تعد إلا مجرد قطيع من البهائم والأنعام: عري وسفور، واختلاط وفجور، وغناء وخمور، أهذه حضارة تستحق البقاء، وتقود البشرية إلى بر الأمان! كما يتفوه به المنافقون من العلمانيين والزنادقة!!

يا ويح المجتمعات العربية والإسلامية من شبح الهلاك المدوي إن لم تفق من ذلك اللهو والتميع والانجرار وراء الغرب! احتل الأعداء بلدانهم وهم في غيهم ولهوهم وطربهم، كأن الأمر ما كان! ويل الذين يسوقون المجتمعات إلى الجحيم: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} (166-167) سورة البقرة.

ويل لدعاة الاختلاط من الحبس الرهيب، والطرد العنيف، واللعنة المؤبدة، التي لا تغفرها لهم الأجيال يوم أن تصحو وتعود إلى ربها..

أخي الكريم: لقد بين علماء الإسلام خطورة التبرج والاختلاط في أماكن العمل والتعليم، فهذا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز-رحمه الله- المفتي العام في المملكة العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء سابقًا، يبين خطر الاختلاط والتبرج وحرمته ويورد الأدلة على ذلك، يقول: ( الدعوة إلى نزول المرأة للعمل في ميدان الرجل المؤدي إلى الاختلاط سواء كان ذلك على جهة التصريح أو التلويح بحجة أن ذلك من مقتضيات العصر ومتطلبات الحضارة أمر خطير جدًا، له تبعاته الخطيرة، وثمراته المرة، وعواقبه الوخيمة، رغم مصادمته للنصوص الشرعية التي تأمر المرأة بالقرار في بيتها، والقيام بالأعمال التي تخصها في بيتها ونحوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت