فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
"وقفة مع أوائل سورة البقرة"
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أخواني في الله نقف معكم في هذا الدرس مع قوله -تعالى-: (( ألم* ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين* الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون* والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون* أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) ).
ابتدأت السورة بذكر أوصاف المتقين. وابتداء السورة بالحروف المقطعة (ألم) يجذب أنظار المعرضين عن القرآن، إذ تطرق أسماعهم لأول وهلة ألفاظ غير مألوفة في تخاطبهم، فينتبهون إلى ما يلقى إليهم من آيات، وفي هذه الحروف إعجاز للقرآن العظيم.
قوله -تعالى-: (( ذلك الكتاب لا ريب فيه ) )، أي لا شك في أنه من عند الله، وأنه حق محض لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
قوله -تعالى-: (( هدى للمتقين ) )أي هادٍ للمؤمنين المتقين، الذين يتقون سخط الله، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، قال ابن عباس: المتقون هم الذين يتقون الشرك، ويعملون بطاعة الله، وقال الحسن البصري: اتقوا ما حرم عليهم، وأدو ما افترض عليهم.
ما هي صفات هؤلاء المتقين؟!
الصفة الأولى:الإيمان بالغيب: (( يؤمنون بالغيب ) )والغيب هو كل ما غاب عن حس الإنسان ومداركه المعروفة: العين، والأذن ومن هذه الأمور: أركان الإيمان الستة، فإنها كلها غيب إلا القرآن، فإنه بين أيدينا، ولكن يجب التصديق به والعمل؛ فإننا لم نشهد تنزيله، ولكن آمنا بأنه من عند الله.
فالإيمان بالله غيب، فهو تعالى لا تدركه الأبصار، كما قال -تعالى-: (( لا تدركه الأبصار ) )ولن تراه في الدنيا، وإنما يراه عباده المتقون إكرامًا لهم في الآخرة في دار النعيم، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافًا لمذهب أهل البدع الذين ينكرون ذلك. فالله تعالى لا يراه أحد في الحياة الدنيا، فكان الإيمان به دليل على صدق المؤمن وتقواه، ولهذا جاء في سورة الملك: ( إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير) فالذين يخافون من الله وهم لم يروه دليل على حبهم له، وقوة إيمانهم ويقينهم به، فصدق أن يكون هؤلاء من المتقين الصادقين، ولهذا كان الذين لا يراقبون الله عند خلوتهم وانفرادهم بأنفسهم من أخبث الناس، وهم الذين تراهم بين الناس كالملائكة أخلاقًا وسمتًا وعبادة، فإذا اختلوا بأنفسهم، ولم يروا أحدًا من البشر فعلوا كل ما ينكر عقلًا وعرفًا وشرعًا، ما جزاء هؤلاء لما راقبوا الناس ولم يراقبوا الله ؟ كما قال تعالى: (( يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذا يبيتون ما لا يرضى من القول ) )ما كان جزاء هؤلاء؟ لقد كان جزاؤهم ما أخبر به الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه ثوبان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لأعلمن أناسًا من أمتي يأتون يوم القيامة بأعمال مثل جبال تهامة بيضًا يجعلها الله هباءً منثورًا!) فقال ثوبان: من هم يا رسول الله؟ صفهم لنا؟ جلهم لنا ألا نكون منهم؟! فقال: (أما إنهم إخوانكم، يصومون كما تصومون، ويقومون من الليل كما تقومون، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) . رواه ابن ماجه وصححه الشيخ الألباني -رحمه الله-. فأي إيمان هذا؟ أن يأتي إنسان ويتظاهر بالصلاح أمام الناس، فإذا خلا بنفسه انتهك محارم الله من فواحش وغيرها، أي تقوى هذه؟ وأي إيمان هذا؟ وهل يستحق أن يدخل تحت قوله: (( المتقين الذين يؤمنون بالغيب ) )فلو آمن بالله لخافه واتقاه، ولما كان الله أهون الناظرين إليه.. ولا حول ولا قوة إلا بالله!
إذن تبين لنا أن الإيمان بالله هو من الإيمان بالغيب، الذي جعل الله الإيمان به دليلًا على قوة الإيمان. ومن الإيمان بالله: التصديق بكتبه ورسله، والعمل بما أمرنا الله به ورسوله، ويشمل: توحيد الله في ربوبيته بأنه الخالق المالك المدبر، كما يشمل الإيمان بألوهيته التي لا يخضع لها كثير من البشر اليوم، حيث أن الله تعالى هو المعبود بحق وحده لا شريك له، وما سواه باطل. ويشمل الإيمان بالله: الإيمان بأسمائه وصفاته كما سمى ووصف به نفسه، أو وصفه به رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وكذا الإيمان والتسليم لله في الحكم والأمر فإن التشريع والأحكام التي تنظم حياة البشر هي من خصوصية الله، ولا يشاركه فيها أحد؛ فإن شاركه واعترض عليه كفر، ولهذا قال -تعالى-: (( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ) (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ) (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) ) (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) )فهذا كله يلزم من الإيمان بالله، ولا يكفي الاعتراف المجرد، أو التصديق الذي لا يوافقه عمل، بل لا بد من الجمع بين: تصديق القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح... إذن، فكل من آمن بهذه الأمور التي تجب لله تعالى كان حقًا من المتقين؛ لأنه آمن بالله الذي لا يراه أحد في هذه الحياة فهو غيب من الغيوب.
ومن الغيب كذلك الملائكة: فهم جنود الله، وعباده وأولياؤه وأحباؤه، هم الذين: (( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) )وهم الذين (( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) )فلهذا كان الإيمان بهم واجب، وهذا الإيمان دليل على تقوى العبد وقوة يقينه بما أخبر عنه الله ورسوله، وقد جاء ذكر الملائكة في مواضع عدة في القرآن والسنة، قال -تعالى-: (( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) )وقال: (( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ) )وقال: (( ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون* يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) )وغيرها كثير في القرآن..
وأما في السنة فعن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم. وقوله: (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر) رواه البخاري ومسلم.. وغيرها كثير جدًا، لا يمكن في هذا المقام ذكر كثير منها فضلًا عن حصرها . ومما يجب في هذا الأمر: الإيمان بهم جملة وتفصيلًا، فأما جملة فهو الإيمان بأن لله تعالى ملائكة مخلوقين من نور، قائمين بطاعته ليلًا ونهارًا، لا يفترون عن حمده وشكره وتسبيحه، ولا يعصونه ما أمرهم سبحانه وتعالى. وأما تفصيلًا فنؤمن بمن ذكر لنا اسمه في القرآن والسنة: كجبريل، وميكال، وإسرافيل، ومالك، ورضوان، ولا يمكن بسط الأدلة هنا لذكر مواضع ورود هذه الأسماء وغيرها.
ومما يجب علينا في ملائكة الله: حبهم وتقديرهم والثناء عليهم كونهم إخواننا في الله تعالى، يجمعنا بهم الإيمان بالله، وحب الطاعة، وبغض المعاصي.. اللهم اجعلنا ممن يحبهم ويرضى عنهم.