النصف ساعة التي قلناها ذلك هو الحفظ الأول ، لكن هذا التمكين يأخذ من الوقت مالا يحتاج إلى جهد ، ولا يحتاج منك أن تمسك المصحف ، ولا أن تغلق الباب ، ولا أن تتفرغ ، ولكن وأنت ذاهب وأنت آتٍ ، وأنت رايح وأنت غاد ، اقرأ وأنت تصلي في نافلتك ، وأنت تصلي في وترك ، وأنت تصلي في قيام ليلك ، في كل وقت اقرأ واقرأ واقرأ وأعد ، حتى تصبح هذه المواصلة جيدة.
4-المواصلة المنهجية
وهو أن يواصل هذا التمكين والتمتين أولاً بأول ، مع محاولته قدر الاستطاعة أن يربط هذا التمكين بما يستطيع من تأمل وفهم للمعاني ، وهذا منهج جيد لأنه يعينه على هذا كثيراً.
العوامل المساعدة لهذه الطريقة في هذه المرحلة الأولى هي:
القراءة في النوافل
كما قلنا القراءة المستمرة القراءة المحرابية ، أن يصلي بغيره إمام ؛ لأن صلاة المحراب لا بد أن تكون فيها متقناً وحافظاً والقراءة الجهورية أن يرفع صوته بالقراءة إذا خلا بنفسه ، وأن يعيد هذه الآيات بالصوت العالي ؛ فإن هذا أيضاً يتقن وكذلك السماع المستمر إذا استمع إلى الآيات التي حفظها ، والسورة التي حفظها ، وهو يستمع لها كثيراً ؛ فإن ذلك يضبط بإذن الله - عز وجل - هذه المرحلة الأولى للحفظ الأدني.
أما الحفظ الشامل فهناك مرحلة ثانية وهي: التي تتعلق بأمرين اثنين المتشابهات والمنفردات
المتشابهات نحن نعلم أن الله عز وجل قال: { الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً } ، من معاني هذه الجملة في التفسير أنه يشبه بعضه بعضاً ، وكثيرة هي الآيات التي لا يختلف بعضها عن بعض إلا في حرف واحد ، أو في تقدّم كلمة على كلمة ، وليس هذا موضوع حديثنا.
وقد خرجت كتب كثيرة تجمع الآيات المتشابهة بنفس رسم المصحف في مكانها ، هذا بعد أن تحفظ الأجزاء أو تحفظ السور الطوال ، وتبدأ عندك متشابهات ما بين سور البقرة وما بين سورة الأعراف ، ومتشابهات ما بين التوبة وما بين الصف ، تبدأ حينئذٍ تنظر إلى هذه الكتب ، وهي تجمع لك الآيات المتفرقة في موضع واحد مع اختلافها ، حتى تتقنها وتميز الفرق بينها وتعرفها .
والمنفردات نعني بها الآية التي هي في القرآن على سياق واحد ، لكنها في موضع واحد انفردت بصياغة أو بسورة مختلفة عن غيرها ، كقوله تعالى: { جنات تجري تحتها الأنهار } ، موضع واحد في القرآن في سورة التوبة ، وكذلك { ما أهل به لغير الله به } في موطن واحد ، وهكذا يعرف الموطن الواحد فيعرف موضعه من السورة فيضبطه فلا يكاد يخطئ فيه بإذن الله - عز وجل - الوقت يدركنا ، ولذلك نختصر في هذا ، وربما بعض التفاصيل قد سبق ذكرها كما قلت في ذلك الدرس السابق .
البرنامج الأخير الذي نريد أن نقف عنده: برنامج المراجعة
وقبل أن أبدأ فيه أقول: خذوا ما ذكرناه في السابق ، أي في هذه البرامج الثلاثة بقوة ؛ فإن أخذتم به بقوة كانت المراجعة أيسر ما يكون من أتقن التلاوة تصحيحاً ، ومن ضبط الحفظ إيجادة ، ومن مكنه توفيقاً وتمتيناً لا يحتاج بعد ذلك من المراجعة إلا إلى شيء يسير بإذن الله عز وجل .
وفي المراجعة أيضاً نصوص ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( عرضت علي ذنوب أمتي فرأيت من أعظمها رجل حفظ شيئاً من القرآن ثم نسيه ) ، والمعاهدة التي ذكرت في الحديث أيضاً تدل على هذا ( تعاهدوا القرآن ؛ فإنه أشد تفلتاً - أو تفصياً - من الإبل في عقلها ) ، والمعاهدة أن يبقى الإنسان على العهد فيرد ويرجع مرة بعد مرة المراجعة على مراحل .
المرحلة الأولى: المراجعة المبدئية الأولية
أي في أوائل بداية الحفظ ، عندما يبدأ يحفظ الصفحة والثانية ، وكذا نقول لا بد أن يربط وأن يراجع الصفحة الأولى مع الثانية ، والأولى والثانية مع الثالثة ، والأولى والثانية والثالثة مع الرابعة ، والأولى والثانية والثالثة والرابعة مع الخامسة ، خمس صفحات لا ينبغي له أن يتنازل عن ربطها ببعضها ، وصلتها ببعضها عند حفظه الجديد .
ومعنى ذلك أنه إذا حفظ خمس صفحات في كم يوم سيعيدها ويسمعها ويراجعها ؟ يوم واحد ؛ لأننا قلنا أنه لا بد أن يكررها ، فإذن هذه الخمسة لو توقف عنها بعد ذلك وبدأ في خمس جديدة فلا بأس ، ثم سيراجع العشر صفحات في كم ؟ في يومين ، ثم سيراجع العشرين في كم ؟ إذن الجزء الأول ينبغي أن يعيده في كل أربعة أيام مرة ، ماذا سيكون حال هذا الجزء في الحفظ والسهولة ؟ قوياً متيناً سهلاً واضحاً حاضراً في الذهن كل ذلك الإجابة عليها: نعم .. لا تستكثر وقتاً في ذلك ، ولا تقل الخمس كثيرة ، الآن سمعتها"نعم"أعدها ؛ فإن الحفظ يحتاج إلى الإعادة والمراجعة وهذه المرحلة الأولى .
المرحلة الثانية: التي كم قلنا يبدأ فيها بعشر صفحات بدل خمس صفحات