ولقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أراد الكيد لأهل المدينة فإنه يهلك فعن سعد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول (لا يكيد أهل المدينة أحد إلا أنماع كما ينماع الملح في الماء) قال الحافظ: قوله (باب إثم من كاد أهل المدينة) أي أراد بأهلها سواءً، والكيد المكر والحيلة في المساءة وقوله (أنماع) أي ذاب، وفي صحيح مسلم (ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء) والمدينة النبوية المباركة معصومة من الدجال والطاغوت ببركته صلى الله عليه وسلم فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (على أنقاب المدينة ملائكة يحرسونها لا يدخلها الطاغوت،ولا الدجال) رواه الشيخان8. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس من نقب من أنقابها إلا عليه ملائكة صافين يحرسونها، فينزل السبخة، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق) متفق عليه.
وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان) رواه البخاري. وعن تميم الداري رضي الله عنه في حديثه الطويل في رؤية الدجال في اليقظة، أن الدجال قال:يوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة، هما محرمتان عليّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتاً،يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذه طيبة، هذه طيبة) يعني: المدينة. رواه مسلم.
والأحاديث أكثر من أن تحصر في فضائل مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد ذكر الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي في كتابه النفيس فضائل المدينة المنورة ما يربو على مائة من خصائص المدينة المنورة فليرجع إليه.
وبعد أن ذكر نبذة يسيرة عن فضائل المدينة، لا بد لنا من معرفة تاريخ المدينة قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم إليها.
قال ابن النجار في كتابه الدرة الثمينة في تاريخ المدينة: قال أهل السير: كان أول من نزل المدينة بعد غرق قوم نوح، قوم يقال لهم صعل وفالج فغزاهم داود النبي عليه السلام فأخذ منهم مائة ألف عذراء قال: وسلط الله عليهم الدود في أعناقهم فهلكوا، فقبورهم هذه التي في السهل والجبل. قالوا: وكانت العمالييق قد انتشروا في البلاد فسكنوا مكة والمدينة والحجاز كله، وعتوا عتواً كبيراً فبعث إليهم موسى عليه وعلى نبينا السلام جنداً من بني إسرائيل فقتلوهم بالحجاز وأفنوهم. قال: وإنما كان سكن اليهود بلاد الحجاز أن موسى عليه السلام لما أظهره الله على فرعون وأهلكه وجنوده وطن الشام وأهلك من بها وبعث بعثاً من اليهود إلى الحجاز وأمرهم ألا يستبقوا من العماليق أحداً بلغ الحلم فقدموا عليهم فقتلوهم وقتلوا ملكهم....) وأصابوا أبناً له شاب من أحسن الناس فضنوا به على القتل وقالوا: نستحييه حتى نقدم به على موسى فيرى فيه رأيه، فأقبلوا وهو معهم وقبض الله موسى قبل قدومهم. فلما سمع الناس بقدومهم تلقوهم فسألوهم عن أمرهم فأخبروهم بفتح الله عليهم، وقالوا: لم نستبق منهم أحداً إلا هذا الفتى، فإننا لم نر شاباً أحسن منه فاستبقيناه حتى نقدم به على موسى فيرى فيه رأيه، فقالت لهم بنو إسرائيل: إن هذه المعصية لمخالفتكم نبيكم، لا والله لا تدخلوا علينا بلادنا، فحالوا بينهم وبين الشام. فقال الجيش: ما بلد إذا منعتم بلدكم خير من البلد الذي خرجتم منه. قال: وكانت الحجاز أكثر بلاد الله شجراً وأطهره ماءً.
قالوا: وكان هذا أول سكنى اليهود الحجاز بعد العماليق. وهم يجدون في التوراة أن نبياً يهاجر من العرب إلى بلد فيه نخل بين حرتين فأقبلوا من الشام يطلبون صفة البلد، فنزل طائفة تيماء وتوطنوا نخلاً، ومضى طائفة فلما رأوا خيبر ظنوا أنها البلدة التي يهاجر إليها. فأقام بعضهم بها ومضى أكثرهم فلما رأوا يثرب سبخة وحرة ونخلاً قالوا: هذا البلد الذي يكون له مهاجر النبي إليها فنزلوه. ونزل جمهورهم مكان يقال له يثرب مجتمع السيول. وخرجت قريظة وإخوانهم بنو هذل وعمرو فنزلوا بالعلية على مهروز.
قال عبد العزيز بن عمران: وقد نزل المدينة قبل الأوس والخزرج أحياء العرب منهم أهل التهمة تفرقوا جانب بلقيز إلى المدينة فأبرت الآبار والمزارع وقالوا: وكان بالمدينة قرى وأسواق من يهود بني إسرائيل، وكان قد نزلها عليهم أحياء من العرب فكانوا معهم وابتنوا الآطام والمنازل قبل نزول الأوس والخزرج. وهم بنو أنيف حي من بلى،وبنو مريد حين من بلى وبنو معاوية بن الحارث، وبنو الجذما حي من اليمن.
فلم نزل اليهود العالية بها الظاهرة عليها حتى كان من سيل العرم ما كان وقص الله في كتابه9.