فلما غضب الله على أهل سبأ. عندما قالوا: {ربنا باعد بين أسفارنا} سبأ19، وأذن في هلاكهم، دخل عمرو ابن عامر فنضر جرذاً تنقل أولادها من بطن الوادي إلى أعلى الجبل فقال: ما نقلت هذه أولادها من هاهنا إلا وقد حضر أهل هذه البلاد عذاب، فخرقت ذلك العرم فنقبت نقباً، فسال الماء من ذلك النقب، وفي رواية أنه قال: أي قوم إن العذاب قد أظلكم، وزوال أمركم قد دنا فمن أراد منكم داراً جديداً إلى أن قال ومن أراد منكم الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل المقيمات في الضحل فليلحق بيثرب ذات النخل، فأطاعه قومه فخرج منهم إلى عمان وخرج بعضهم إلى بصرى، وخرجت الأوس والخزرج وبنو كعب بن عمرو إلى يثرب، فلما كانوا ببطن مر قال بنو كعب: هذا مكان صالح لا نبغي به بديلاً، فلذلك سموا خزاعة لأنهم انخزعوا عن أصحابهم، وأقبلت الأوس والخزرج حتى نزلوا بيثرب10. ولما قدمت الأوس والخزرج المدينة تفرقوا في عاليتها وسافلتها، ومنهم من نزل مع بني إسرائيل في قراهم، ومنهم من نزل وحده لا مع بني إسرائيل ولا مع العرب الذين كانوا تألفوا بني إسرائيل، وكانت الثروة في بني إسرائيل ولهم القرى وعمروا بها الآطام. فمكثت الأوس والخزرج ما شاء الله، ثم سألوا اليهود في أن يعقدوا بينهم جواراً وحلفاً يأمن بعضهم بعضاً. ويمتنعون به ممن سواهم، فتحالفوا وتعاقدوا فلم يزالوا كذلك زماناً طويلاً، وأمدت الأوس الخزرج (أي كثر عددهم) وصار لهم مال وعدد، فخافت قريظة والنضير أن يغلبوهم على دورهم، فتنمروا لهم حتى قطعوا الحلف فأقاموا خائفين أن تجليهم اليهود، حتى نجم أي ظهر منهم مالك بن العجلان وسيده الحيان الأوس والخزرج، وكان ملك اليهود الفطيون شرط ألا تدخل امرأة على زوجها حتى تدخل عليه، فلما سكن الأوس والخزرج المدينة أراد أن يسير فيهم بذلك. فتزوجت أخت مالك بن العجلان رجلاً من بني سالم، فأرسل الفطيون رسولاً في ذلك، وكان مالك غائباً، فخرجت أخته في طلبه، فمرت به في قوم، فنادته فقال: لقد جئت بسبة، تناديني ولا تستحي فقالت: الذي يراد بي أكبر، فأخبرته، فقال: أكفيك ذلك فقالت: وكيف ؟ فقال: أتزين بزي النساء وأدخل معك عليه بالسيف فأقتله ففعل. ثم خرج حتى قدم الشام على أبي جبيلة، وكان نزلها حين نزلوا هم بالمدينة، فجيش جيشاً عظيماً، وأقبل كأنه يريد اليمن، واختفى معهم مالك بن العجلان، فنزل بذي حُرُض، فأرسل إلى الأوس والخزرج فوصلهم، ثم أرسل إلى بني إسرائيل: من أراد حباء الملك أي عطاياه، فليخرج إليه، مخافة أن يتحضروا فلا يقدر عليهم، فخرج إليه أشرافهم فأمر لهم بطعام حتى اجتمعوا فقتلهم فصار الأوس والخزرج أعز أهل المدينة11.
وتفرقت الأوس والخزرج كما ذكرنا ذلك في عالية المدينة وسافلتها وبعضهم جاء إلى عفا من الأرض لا ساكن فيه فنزله. ومنهم من لجأ إلى قرية من قراها واتخذوا الأموال والأحكام فكان ما ابتنوا من الآطام مائة وسبعة وعشرين أطماً، وأقاموا كلمتهم وأمرهم مجتمع. ثم دخلت بينهم حروب عظام وكانت لهم أيام ومواطن وأشعار12 ولعل وراء ذلك اليهود. فلم تزل الحروب بينهم إلى أن بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأكرمهم باتباعه.
وإلى هنا ينتهي الدرس وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين،،،،،،،،،،،،،،،
1 -فتح الباري 4/104-105.
2 -البخاري مع الفتح 4/97، برقم 1867.
3 -البخاري برقم 1869.
4 -البخاري رقم 1880 ، ومسلم برقم 1380.
5 -البخاري مع الفتح 4/106.
6 -البخاري برقم 1876.
7 -فتح الباري 4/112.
8 -البخاري برقم 1880 ،ومسلم برقم 1380.
9 -انظر الدرر الثمينة 35-39.
10 -ذكره الصالحي في فضائل المدينة وعزاه المحقق إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه.
11 -وفاء الوفاء للشمهوري 1/178.
12 -الدرة الثمينة في تاريخ المدينة 42.